في أواخر الستينات، وفي شهر رمضان، وفي مدينة كانت لا تزال تتدثر بملابسها القديمة ومبانيها الطينية القديمة، بيوتها المتناثرة على أطراف النخيل، تحيط بخواصرها مبانٍ جصيّة، مستشفى كند القديم والمدرسة النهيانية القديمة، ومبنى البريد القديم المصنوع من السعف ''البرستي'' ومسجد تسمع فيه صوت أذان حياة ''سالمين'' وساحة كبيرة تفصل البيوت، تكون حيّة بدبيب أقدام الناس ودوابهم والسيارات القليلة والتي أكثرها كانت تابعة لجيش كشافة ساحل عمان ''تي·أو·أس'' نفس هذه الساحة تتحول لمجرى مياه الأمطار حين تطبّل الوديان القادمة من الداودي، متجهة نحو الشمال إلى عود التوبة، دكاكين صغيرة عبارة عن مخازن تبيع ما توافر من بضائع، كانت الساحة مرتعاً للعب أولاد الحارة الذين لا تسمح أعمارهم باللعب على ملعب البلدية الرملي· كان مساء رمضانيا، وبرده شتائيا من الذي تتميز به العين، هذه المدينة المحاطة بالجبال والنخيل والأفلاج والحكايات، كان أبي مدخناً لسيجارة ''علي بن علي'' أو ''روثمان كينج سايز'' وكان قد طلب مني قبل الإفطار بساعة أن أشتري له علبة زرقاء من تلك السيجارة الإنجليزية الصنع· أخذت النقود في اليد وطرت، وما أن تجاوزت البيوت إلى الساحة حتى لمحت الأولاد يلعبون، فتمّمت الفريق معهم، وبقينا نلعب حتى أذّن المغرب، ونسيت الوصية، ورجعت إلى البيت وجلست أفطر، وأكملنا جلوسنا حول ''الصريدان'' بعد الصلاة، حيث تجتمع العائلة في مثل تلك الشتاءات، كان ''الصريدان'' مبنيا من الطين والجص، ويتوسط الحجرة، ويثور فيه حطب سمر مرخ، دلال القهوة النحاسية، والجمر المتوهج كان يعطي المكان دفئاً خاصاً· نظر أبي في عينيّ، لكنني لم أفهم، كانت عادته أن عقد حاجبيه، عليّ أن ألتقط ما يريد قوله، جلست أتدفأ وأحادث العمة التي كبرت حتى بدأنا نطلق عليها الجدة، نسيت كل شيء حتى الدينار البحريني القديم نسيت أنه مازال يستقر في جيب كندورتي ''بوكلفس'' البنية، سألني أبي: ماذا نسيت؟ فلم أتذكر، كنت ساهياً لاهياً فرحاً بالهدف اليتيم الذي دخل مرمى الخصم عن طريق قدمي اليمنى بالصدفة الغريبة وحدها، عقد أبي حاجبيه، واحمرّت عيناه، فأدركت أن هناك خطباً جللاً، لكنني لا أتذكر، حاولت أن أستعرض ذاكرتي بسرعة لكي أتذكر·· المشاغبات، ضربي لإخواني، شكوى من المطوعة عن عدم حفظي لسور جزء عم، لكنني لا أتذكر، وحين لمحت شرراً يتطاير من عيني أبي، لجأت لتلك العمة الجدة وقلت: ''والله ما سويت شيء'' فرد أبي بغضب: ''وين طرشتك؟''· فتذكرت ضارباً جبهتي ببطن كفي، وهممت بالنهوض لأشتري لأبي سيجارته التي كان صابراً ينتظرها طوال اليوم، لكنه من غضبه، أخذ من ''الصريدان'' عود سمر، متجمر، ورماه في حضني، فصرخت من حريق كندورتي، ومن عطبة سمعتها تطقطق عند ملامسة الجلد المحترق، فصرخت، وصرخت العمة، وجاءت الأم تركض ونسوة الجيران فزعن، وكلهن يلمن الأب الغاضب، وقال قبل أن يخرج: ''والله إن حايزت عنه، واحدة منكن·· لأحطها وياه''· تركنا·· وذهب ليلتها إلى معسكره في قلعة الجاهلي، ولم يعد إلا بعد يومين، وحين حضر وجد البيت مكفهراً، والنساء غاضبات، وغضب العمة الجدة كان شديداً على الأخ الأصغر، وحزن باد على الابن البكر المحترق ''ثبانه''· يومها رغم حنقي·· حين رأيت دمعة في عيني الأب، تكاد تترقرق وتقفز من مكانها، أحنيت رقبتي على كتفي بخبث التظاهر بالبراءة والغبن والضعف والطيبة وحجم الألم· من يومها قرر أبي ترك السيجارة، وظل بعدها أكثر من 25 سنة، أعدها له، لم يمسك بيده تلك العلبة الزرقاء الملوكية، حتى أنا وبعد أن كبرت، لم أحاول أن أقترب منها، ومن نارها التي اكتويت بها ذات مساء رمضاني بارد·