صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمود الثامن

ذاكرة مسافرة
كنا في مقعد واحد، في صف يزدحم بعشرين طالباً أو يزيد، وذات يوم سألنا أستاذ اللغة العربية عن أمنياتنا، وكان موضوع إنشاء، أسهب الجميع في طرح أمنياته، ورغم ركاكة اللغة التي يكتبها بعضنا، وجزالة اللغة التي يكتب بها بعضنا الآخر، إلا أن هدفنا أن نملأ الصفحتين اللتين طلبهما أستاذ اللغة العربية ·
في الحصة التالية طلب الأستاذ أن يخرج كل طالب كراسة الإنشاء ويطرح ما كتبه شفاهة على الطلاب ·· الآن لا أتذكر كل أولئك الطلبة، وما كتبوا إلا أن الأربعة الذين يشتركون في مقعدي، كانت أمنياتهم كالتالي :
الأول تمنى أن يصبح طياراً، ولا أدري لماذا كانت هذه الأمنية تلح عليه وعلى كثير من الطلبة ؟ ورغم أنه يحمل في نهاية كل عام دراسي دائرتين بلون أحمر الشفاه في الرياضيات والعلوم، إلا أنه كان يصر أن يصبح طياراً وحتى بعد انتهاء حصة التعبير بزمن طويل ·
الثاني تمنى أن يصبح طبيباً، ساعتها ضحكنا وقلنا ما يظهر من اليهودي نبي وإن كان افتكر أن أباه يعرف الحجامة والختان وكتابة المحو ونعت الأدوية للمعلولين ، فهذا لا يكفي لأن يكون الابن طبيباً·
الثالث هو أنا ، تمنيت أن أكون مدرساً للتاريخ، أو ممثلاً مسرحياً أو مخرجاً سينمائياً، كنت أعتقد أنني أكثر عقلانية منهم وأكثر وعياً لما أريد، وأن بين مدرس التاريخ أو الممثل المسرحي أو المخرج السينمائي خيطاً يكاد يرى ، إلا أن الجميع أصر على أنه ليس بينهم رابط حتى مدرس اللغة العربية، وطلبوا مني مهنة تليق بمواطن أحسست انهم وطئوا على حلمي بحذاء أسود ثقيل، لكنني كنت هادئاً وقلت لهم ضاحكاً أنا لن أصبح مهندساً ولا طبيباً ولا طياراً ولا حتى مدرساً للرياضيات أو العلوم أو الدين ·
الرابع طلب أن يصبح رجل أعمال، ومع أنه لا يملك وأهله شروى نقير إلا أنه كان يصر أن يملك الكثير حين يكبر ، كانت أمنيته أن يملك تجوري يخزن فيه أموال الدنيا ·
الآن وبعد أن كبرنا وافترقنا وأصبحت لا تجمعنا حتى مدينة واحدة ، وتمر سنة وتأتي سنة ولا نلتقي ، إلا أنهم يطرأون علي بشدة فأتذكرهم أحياناً وأتذكر مدرستنا والمقعد البني المتقشر ومدرس اللغة العربية ، وتمنيت لو عدنا إلى زمن الدراسة وكتبنا حصة التعبير من جديد ، ترى هل تظل الأمنيات القديمة حية ؟ أم تجبرنا الحياة أن نفكر فيها أولاً ونعيد صياغة أحلامنا من جديد ؟
هل ترغبون في معرفة أين ذهبت أحلام الفتية الذين ضمهم يوماً مقعد واحد ·
لأبدأ بي فأنا مدرس فاشل لتاريخ لم يتضح بعد ، وممثل مسرحي لم أستمر طويلاً وظروف كثيرة حالت دون أن أصبح مخرجاً سينمائياً ، رغم أنها تراودني حتى الآن ··
الأول الذي تمنى أن يصبح طياراً الآن موظف بيروقراطي ، دخلت عليه قبل أشهر وطاولته تزدحم بالملفات، يغضب من أي شيء، يعتقد أنه مظلوم في البيت والعمل والحياة، يحس أن الأرض لا تطيقه، له أمنية واحدة هي أن يطير ·· ولو من الحياة ·
الثاني الذي تمنى أن يصبح طبيباً، الملعون الآن طبيب، لكنني لم ولن أتعالج عنده لا لسبب معين ، ولكنني أكره أن أدخل مكانين المستشفى والمرآب (كراج) لكل منهما رائحة تخنقني وتسبب لي الدوران والغثيان وأشعر أن أشياء ستفك في أو في السيارة ولن يعاد تثبيتها كما كانت سابقاً ·
سألت صاحبنا الطبيب هل يراجعك كثير من المواطنين أو المواطنات ؟ ضحك وقال : العجائز فقط ·
أما رجل الأعمال فهو الآن شبه عاطل عن العمل ، رغم أنه توظف أكثر من مرة وفي أكثر من مكان · وفتح محلاً لبيع السيارات المستعملة، وكفل الكثير من الخياطين والسواقين والحلاقين، إلا أن ما يكسبه باليد هذه تصرفه الزوجتان بأياديهن الأربع والأربعين · لذلك هو شبه عاطل عن العمل ، ورجل أعمال ، سيزعل حتماً لو أكرر عليه أنه ليس برجل أعمال بل مدير أعمال ·· ولكن لزوجتيه ·
amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء