ذهبت إلى شارع النجدة لقضاء حاجة لي، وبعد أن وضعت سيارتي في الموقف، ترجّلتُ ومشيت بضعة أمتار، باحثاً عن حاجتي، وبينما كنت أهمّ بعبور شارع فرعي شعرت بسواد يلاحقني، التفتُّ وإذ بامرأة،”متغشية”، أي مسدلة خمارها على وجهها، وكأنها تطاردني، بطّأت من خطواتي، وإذ بها، على الفور تصطادني بتحية أخجلتني، وجعلتني في حيرة من أمري في كيفية الرد على تحيتها بأحسن منها، وانطلقت تسرد لي قصة قطعت بها نياط قلبي، فقد جاءت هذه الفتاة المسكينة، من إحدى إمارات الدولة، تقصد فلان الفلاني، ولكنها للأسف الشديد لم تجده، وقد كانت موعودة بمبلغ من المال قد بنت عليه آمالاً وأحلاماً وردية، لتفرّج هم والدتها، طريحة الفراش منذ أشهر، باحثة عن ذلك الدواء غالي الثمن، المستنزف لجلّ دخلها البسيط -إن لم يكن كله، فيما لم تجد بعد علاجاً لابنتها ذات الخمس سنوات، والتي باتت تنتظر تكّفينها ودفنها بعد أن يأخذ الله أمانته، فمرضها عضال، والشفاء ميئوس منه، إلا أن يرحمها المولّى عز وجل ويشفيها.
وزادت المسكينة بأنها لا تريد جزاء ولا شكوراً على تحمّلها وأنها لا تطلب حاجة، إنما توّسمت في وجهي الخير، والذي يمتلئ نوراً وكأنني من المبشرين بالجنة، وهو من دلها على معدني الأصيل، وفضلي المتأصل، وعطائي المتصل.
فوجئت بما قالته فيّ، فانتابني شيء من زهو النفس، وصدقت كلامها عن مأساتها، وأحسست بمصيبتها،
فما كان من يدي إلا أن امتدت إلى محفظتي لتتناول ما فيها وتعطيها للمسكينة، قائلاً في نفسي: ماذا يصنع المرء في هذه الدنيا الزائلة! ولم تدع لي مجالاً للتفكير أو التهرب، وأسأل الله ألا أكون بهذه الكلمات من الذين يمنّون على الناس، ولا من المنافقين، وفرحت بما أعطيت، وعدت دون أن أقضي حاجتي المقصودة.
وبعد أيام استكملت البحث عن حاجتي، في الجهة المقابلة، وبينما كنت بأحد المحال وإذ بـ”المسكينة القاطنة في إحدى إمارات الدولة البعيدة عن العاصمة، وصاحبة الأم المريضة، والبنت المنتظرة الموت المصابة بالمرض الخبيث، تفاجئني بالديباجة نفسها والمدخل نفسه والقصة نفسها، فلم أتمالك نفسي من الضحك، ليس عليها بل على نفسي، من المقلب الذي شربته، ولم أشأ أن أكشف نفسي، أمامها فقاطعت حديثها معتذراً ومشيت.
لا شك في أن كثيرين منا تعرضوا لمثل هؤلاء المتسولين، الذين يستغلون بركة الشهر الفضيل، ورغبتهم في فعل الخير من صدقات وزكوات، فيتصيّدون الطيّبين والخيّرين، ولكنهم بذلك يمنعون الخير و”الماعون” عن المحتاجين الحقيقيين، المستحقين للصدقة، إذ ستحجم أيادي الخير عن العطاء عندما ترى أنها تعرضت لنوع من النصب والاحتيال.
نحن مسؤولون جميعاً، بألا نساهم في تحوّل التسوّل إلى ظاهرة، ومهنة لضعاف النفوس، الذين يستغلون رغبتنا في فعل الخير، بأن نبحث عن المحتاجين المستحقين الذين لا يسألون الناس إلحافاً، وألا نسمح لممتهني التسول باللعب على أوتار عواطفنا بتصرفات هي نوع من الاحتيال.

m.eisa@alittihad.ae