أنطوان لحد، تذكرونه، لا يختلف كثيراً عن أبي رغال ذاك الذي ساق جيش أبرهة في التاريخ إلى شعاب مكة، البلد هو البلد، والخائن هو الخائن، من يفتح بوابة الحصن، هو نفسه من يكشف غطاء السر، وأسرار الوطن، كأثواب الأمهات الطاهرات، لا يكشف حتى وإن تغطت بكفن، هكذا هي الأوطان، وهكذا هو مهرها الغالي.
اللواء أنطوان لحد قائد ميليشيا جيش لبنان الجنوبي انتقل من العمالة إلى إسرائيل إلى الزمالة، بعد أن شارف نهاية السبعين من عمره الذي قضى جله في أعمال البر للعدو، وأعمال لا تسر الصديق، اليوم هو وشرذمته مثل خيول البريد، لا علف يليق، ولا ميدان واسع يغري بالموت.
في تقاعده قبل أعوام، قرر اللواء لحد سابقاً، “الشيف أنطوان” حالياً، فتح مطعم بحري، وحانة أيرلندية، وكباريه ليلي، يطل على شاطئ تل أبيب أسماه “إنترناشيونال ستايل” يديره ابنه وزوجته المقيمان في باريس، والممنوع هو من دخولها، مطعمه لن يقتصر على تقديم الأكلات العالمية، مثل اسمه، فكما قدم لحد رؤوس اللبنانيين وأراضيهم في خدمته، تعّهد أن يقدم في تقاعده الوجبات اللبنانية ضمن القائمة، والأرجيلة والطرب العربي والرقص الشرقي.
لحد في تقاعده، يكتفي بتذكر أيامه الخوالي ومراقبة الشاطئ البعيد الأزرق، وتلك الأشجار التي ترسل رائحة الصنوبر والحور من ذاك القريب البعيد الذي كان يدعى “وطن” لم يبق معه من أشيائه المخلصة غير ذاك المنظار المُكبّر، المقّرب، الذي كثيراً ما استعمله كعين خائنة تتلصص على ستر الوطن، وكتابة مذكراته وسيرته غير العطرة،
“في عين العاصفة” التي أقلعته من البلد الذي ظل يدفع له راتبه البالغ 1460 دولاراً في حسابه المصرفي إلى قبل سنوات، حين جرّده من كافة حقوقه المدنية، حاكماً عليه بالإعدام غيابياً.
انسحب جيش الاحتلال من الجنوب، وبقي لحد وميليشياته يتناقصون عن عددهم البالغ فوق 6000 عميل من أصحاب الدمغة، تائهين بين النار والنار، وبين أبناء الدار والعدو الجار، ضائعين كالشتات، مواطنين إسرائيليين ولكن بدرجة “عمالة”.
لحد اليوم - ما يدرينا- قد يتمنى الطعنة الخاطئة النجلاء من الفتاة النجلاء، والتي يذكر اسمها كنجمة بين عينيه، سهى بشارة، حينما حاولت أن تغرز خنجر الطُهر في العنق المتخاذل المتدلي كشرف جندي مثلوم، كان ثمن الطعنة الصائبة الخاطئة سنين في السجن، بعيداً عن كل ما تهوى امرأة في عمرها، قريباً من المرأة التي يشرف بها الرجال كتاج من غار أو غصن أخضر من أرز لبنان. ?كل الناس قد يسألون، من أين لك هذا؟ حتى وإن كان مطعماً تافهاً، وحده الخائن لا يسأل إلا عن الذنب الذي لا يغتفر!


amood8@yahoo.com