لم تكن مآلات «الربيع العربي» إلا خيبة كبرى، فسرعان ما دهم التطرف المجتمعات، وأفاق الشباب العربي الذي حلم بالسلام والأمل والعيش الكريم على كابوس الإرهاب، وبات عليه أن يواجه ارتدادات الزلزال في أكثر من بلد، زرعت فيه جماعات «الإسلام السياسي» الفوضى والدمار، وخلفت كثيراً من الإحباط والأسى.
التعافي بعد الكوارث سمة الشعوب الحية، وكلنا يعرف كيف نهضت اليابان بعد الحريق النووي والاستسلام القاسي في الحرب العالمية الثانية، وأصبحت الآن دولة صناعية وتكنولوجية متقدمة، ليس فقط بسبب التعليم، وإعادة بناء الدولة، والانفتاح على الغرب، وإنما لأنّ حركة ثقافية قوية انهمكت في تبديد إحساس الأجيال الجديدة بالهزيمة، وتحويلها إلى فرص للنهوض والانتصار في ميادين أخرى.
الشباب العربي، وبعد سنوات قليلة من اندلاع ذلك «الربيع الأسود»، كان يحتاج إلى تحدٍّ يخوضه، ليشعر أنّ العالم العربي ليس جزءاً يائساً من الكرة الأرضية. فهذه الجغرافية الممتدة بين محيط وخليج، عاشت ما هو أشد قسوة عبر التاريخ، ودائماً امتلكت مكنونات القوة والاستمرار، وكل ما يلزمها الآن هو الثقة بقدرتها على استئناف دورها في الحضارة الإنسانية.


لا بدّ من تحدٍّ كبير، يمتص فائضاً من إحساس الشباب باللاجدوى، فكان «تحدي القراءة العربي»، الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، في 2016، ليكون مشروعاً طموحاً، يبث الأمل في الطلبة والشباب، ويوجه طاقاتهم إلى الفعل الثقافي المباشر، وسرعان ما ارتفعت شعلة التحدي في العالم العربي، وزاد فرسانه وفارساته عن 10 ملايين طالب وطالبة، في الدورة الثالثة لهذا المشروع، هذا العام.
هذا ما كان ينقصنا تماماً، ونحن «أمة اقرأ»، بعدما تركت الأحداث المأساوية ندوباً كثيرة، فالأمم لا تنضج بالركون إلى ماضيها، ولا تتطور وهي في عزلة عن المعرفة، ولابد من تشجيع الطلبة والشباب على القراءة، لتشكيل وعي نقدي، أساسه تنمية القدرات الذاتية، واكتساب مهارات التحليل، ثم إن التظاهرة السنوية التي تستضيفها الإمارات في دبي تعزز الانتماء ووحدة الأهداف والمشاعر بين الشباب العربي.

المشروع، وهو الأول من نوعه عربياً، يُذكي روح التنافس بين الطلبة، ويجعل القراءة مضماراً أساسياً للسباق، فتنشأ الأجيال على ثقافة تعلي من شأن الكتاب، وتنعكس تنميةً بشريةً على المجتمعات، ولوحظ أن «التحدي» شمل هذا العام الجاليات العربية في الدول غير الناطقة بلغة الضاد، وبلغت 24 دولة، لتضاف إلى مشاركات من 20 دولة عربية، ليصبح التحدي السنوي أبرز تظاهرة ثقافية في الشرق الأوسط، تحافظ على ديمومتها، وتستقطب الملايين من الطلبة والشباب العربي.

هذا ربيع القراءة. ربيع الأمل بأنّ لدينا الحافز والإيمان بجدارتنا في استعادة دورنا ومكانتنا بين الحضارات، فنحن كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «أقوياء بالعلم، وأقوياء بالشباب العربي الذي يدرك أهمية القراءة، وأقوياء باجتماع العرب على مشروعات حضارية، كتحدي القراءة العربي».