ينفرط الأمل من أصابعك ويتدحرج كحبات المسباح على الرخام، تتدحرج وتتلاشى بعيداً من دون رغبة منك لاستعادتها أو حتى تجميعها، بلا اكتراث تتركها مبعثرة في الطريق، ترغب في أن تعطي ظهرك لكل شيء وتولي بعيداً، حيث يهب عليك هواء جديد وتشرق شمس أخرى، يتفتح نهار آخر، نهار عله يحتويك، يحضنك فيتفرع في نفسك الأمل وتسري في عروقك محبة فاتنة من جديد، يصحى فيك إيقاع الشغف والرغبة في التحليق عالياً، ينتشي الخيال ويمد سيقانه الطويلة في البحار والمحيطات، يرتقي القمم ويعبر الجبال بقفزة ويرنو إلى ما خلف الشمس، يلمس القمر ويعزف الكمنجة عند باب الصباح، وهو يطل على المدن والقرى، وهو يشع على الأرض، على البلدان، على المحيطات، يحمل الناس على العمل، ويشد فيهم قوة البقاء والحلم. الخيال وهو يدفع الوحشة بعيداً، ويرسم خطوطاً لسلم الموسيقى، للحن كي يسير عليها، ويتغلغل في الأذن، في الشرايين، في الروح، اللحن الجميل، اللحن الصافي كماء نبع تحيطه الأعشاب والأشجار والجبال المخضرة والقلوب النقية وهي تدق قرب الأذن وقرب القلب، الماء النقي وهو يغسل الوجه ويروي الشغف. ينفرط الأمل من الأصابع في هذا القفر الشاسع الخالي من وميض التفاؤل، هذا الانكسار الذي يجلس على صدر الصباح وبقايا اليوم، لا نور يبدو في الأفق القريب ولا نغمات ناي يتردد صداها من دهاليز المستقبل.. طريق مرتبك وخيبة في كل شيء تظلل الحرف والرغبة في فعل الأجمل والمختلف، شيء ما توسط خصرك ويجرك إلى الخلف، شيء ما يمنع التقدم، شيء ما اختلقه الآخر أو وضعه القدر في طريقك أو دس في صفحة أيامك. ترتد الكلمات وتتلوى من كثرة البوح، من صعودها الدائم، من تفجراتها ودلالاتها المتمددة والمنتشرة المتناثرة كالنجوم، تمر أمام العميان فيتفتح بصرهم تتفتح بصيرتهم، فيما المبصرون لا يلتفتون ولا يدرون شيئاً عن قوة الكلمة بجمالها وتأثيرها وعذوبتها، وهي تداعب العقل. الصوت ينحسر ولا يعود فيه رغبة إلى أن يُسمع نفسه للأذن، لا يريد أن يتصاعد في طبقاته المتعددة الناعمة والغليظة والشجية، الصوت يريد أن يسكن في أعماق النفس ويسكت عن القول أمام الجدران العملاقة، حيث يرتد ويكسره الجمود المترسخ في ضخامة الحجر. ينأى الصوت بنفسه بعيداً في البرية المفتوحة على احتمالات جديدة على أذن يروق لها الكلام ونفوس تطرب لإيقاع الكلمة والجملة، عقول تتجلى الكلمة فيها أشجارا مثمرة. صدقاً ينتابك الشعور الكبير بالقفر وأنت في وسط الناس، بالوحدة وأنت في اللغو الذي لا ينتهي، في المشهد البائس ترغب أن تضع كل شيء خلف ظهرك وتدير خطوتك الأولى نحو المجهول. في لحظة من لحظات الحياة تتمنى أن تفعل ذلك؛ هي لحظة أتت وتحققت لتكون فعلا يُنفذ بعد تراكم الأحداث بأشكالها الكثيرة: الروحية والنفسية والفكرية والمادية. لحظة تأتي بعد حالة التطهر التي تسكن الروح، ولم تعد تستطيع تحمل الخدش، حيث كل مكونات الشخصية باتت نقية وشفافة إلى حد العزلة إلا عن الأرواح والعقول الجميلة والنقية والطاهرة في اللسان والقلب. saad.alhabshi@admedia.ae