كمية الرسائل والنشرات الإلكترونية التي بدأت تنهال عبر البريد الإلكتروني ومواقع التواصل والمنتديات، غير طبيعية وغير مسبوقة هذه الأيام، إنها الحرب الإلكترونية التي يشنها التنظيم العالمي للإخوان المسلمين ضد الجميع، حرب نفسية حقيقية مكتملة، حرب شائعات وأكاذيب وضلالات، ضد الجميع، وتحديداً ضد مصر الدولة والجيش والرئاسة الجديدة والوزارة الجديدة، عن نفسي تعبت من كمية الرسائل، ومن اللغة المبتذلة المستخدمة، ومن الاتهامات التي لا علاقة لها بأي دين أو شريعة أو أخلاق، الخيانة والنذالة تهم مجانية موزعة على الجميع من دون استثناء، ولا ندري إلى أين يريد هؤلاء أن يصلوا على وجه الدقة؟ فإذا قال أحد إنهم يريدون عودة الرئيس المخلوع مرسي، علمنا أنهم يناطحون جبل الواقع الذي لن يوهنوه أبداً بهذه المناطحة الغريبة.
ما من رئيس نحي أو عزل وعاد إلى الحكم ثانية، تلك حقيقة ساطعة لا تحتمل الجدل في السياسة والحكم كما في كل التاريخ، هؤلاء الجاهلون بحقائق وأبجديات السياسة عليهم أن يعرفوا ويفهموا ويقتنعوا بذلك، وأن يتخيلوا إمكانية عودة مبارك للحكم أيضاً إذا أرادوا عودة مرسي، بعيداً عن حكاية الصندوق والشرعية، نتحدث عن المبدأ وليس عن الملابسات، إن هذه الجماعة المصابة اليوم بحالة عصابية حقيقية لضياع آخر أمل لها باقتراب تحقيق هدف عاشت تحلم به 80 عاماً، عليها أن تعي أن السياسة هي فن الممكن وليس مصارعة رومانية، السياسة إذن فن وليست إرهاباً يمارس ضد الشارع وضد الجيش وضد الدولة، والسياسي حتماً لا يؤسس سطوته بتقسيم الشعب وتأليب الناس بعضهم على بعض باستخدام عبارات مثل : (اللي يرش مرسي بالمية نرشه بالدم)، هذه عبارات يقولها رجال العصابات!
إن هذه الرسائل التحريضية التي تصل إلى مواطن عربي في أقصى مكان ربما لا يلقي لها بالاً، وربما لا يتأثر بها، وربما يمحوها مباشرة قبل أن يقرأها، لكن آخرين في مكان آخر يقرؤون ويصدقون ويتأثرون، وبالتالي تتشوش معلوماتهم وأفكارهم وتوجهاتهم حتماً، ولا يعرفون أيميناً ينظرون أم يتجهون شمالاً، أيقفون مع الدولة والجيش والمؤسسات الحامية لهم ولمصالحهم، أم يتخذون موقعاً مضاداً فيكونون حرباً ضد الدولة ومؤسساتها وصمام أمنها وضمانة سيادتها: الجيش؟ أي إسلام يدعو إلى كل هذه الفُرقة والإنقسام والعدوانية؟ إن هذه الجريمة حقيقية في حق الإسلام وتاريخه وقيمه ومبادئه، وقد آن للمثقفين والمفكرين والإعلاميين من أصحاب الوعي الحقيقي أن يفككوا هذا الخطاب الإسلاموي العنيف والمنابذ للمجتمع والدولة والإنسانية؟
إن العودة بالمسلمين والمجتمعات العربية إلى ما قبل 14 قرناً ليس إسلاماً وليس خلافة راشدة أبداً، فلا نحن في القرن الأول ولا الدنيا هي الدنيا ولا الناس هم الناس، لقد تقدمت المجتمعات وتبدلت وتغير كل شيء، حتى صار من الغباء أن تعود الى الوراء، إن فكرة العودة لمقاييس ما قبل 14 قرناً تشكل قمة الغباء السياسي في حقيقة الأمر، ولنتخيل لو تعود أوروبا لعصر الظلمات وأميركا لعهد الهنود الحمر و... الخ، كيف ستصير البشرية إذن؟ لقد انسلخت تلك القرون والأزمنة بكل حسناتها وسيئاتها، والمسلمون اليوم يعيشون عصرهم بكل تحدياته وما له وما عليه، وهم بكل إخفاقاتهم يحتاجون من يخرجهم وينتشلهم ليدفعهم للأمام، لا أن يركلهم للخلف!


ayya-222@hotmail.com