نحن أمة لا تقرأ وهذا سبب من أسباب تخلفنا، يعرف الذين يسافرون منا إلى الخارج هذه الحقيقة المؤلمة، ولا يرجع الأمر إلى أرقام توزيع الكتب وحدها، وإنما إلى عدم وجود عادات قرائية متأصلة في حياتنا الاجتماعية والأسرية. نحن نلتقي عادة حول هذا الجهاز الجهنمي المدعو التليفزيون، فيسكت الجميع، وينقطع التواصل والحوار بين أفراد الأسرة، ما ظلت الأسرة مسلطة الأعين على شاشة هذا الجهاز الجهنمي. وإذا تركت جلسات الأسرة المسائية إلى النوادي أو الحدائق إذا وجدت، أو القطارات أو الطائرات أو المطارات، فلن تجد فتى أو فتاة، رجلا أو امرأة، يمسك بكتاب ويقرأ فيه. وعلى النقيض من ذلك، إذا ذهبت إلى العالم الأوروبي ـ الأميركي، فستلاحظ، ابتداء من الطائرة، أن الركاب العرب في الأغلب الأعم، إما أنهم صامتون، أو يثرثرون معا، أو يتفرجون على أفلام، بينما ستجد أبناء العالم المتقدم حالهم على النقيض من ذلك تماما، فكل واحد منهم أو منهن عاكف على كتاب يقرؤه، أو على جهاز الكومبيوتر النقال الذي يضعه على ركبتيه، وينهمك فيه قارئا أو حاسبا أو باحثا عن معرفة جديدة. وإذا وصلت إلى العالم الأوروبي ـ الأميركي فستجد القراءة في كل مكان، في الحدائق، في الفنادق، وهي عادة يحملها المواطن الذي أصبحت القراءة عادة أساسية من عاداته بحكم التربية السليمة في كل مكان . ومن المضحكات المبكيات أنك لو ذهبت إلى فنادق الدرجة الممتازة على امتداد العالم العربي، ودلفت منها إلى حمامات السباحة في فترة الظهيرة، ستجد سائحات أجنبيات مسترخيات بالمايوهات بجوار الحمام، وعادة بين أيديهن ـ بعضهن أو كلهن ـ كتاب، وحولهن عيون الشباب العربي، أو الذكور العرب، مشغولة بتأمل الأجساد أو البحلقة فيما تظهر قطعة المايوه المكوّن من قطعة واحدة أو قطعتين، وأينما وجهت ناظريك فلن تجد فتى عربيا أو فتاة عربية يُخيبان ظنك، ويمسكان بكتاب. ومع ذلك فقد تغنى الجاحظ بالكتاب، وكتب في محبته كلاما جميلا حفظناه عن ظهر قلب في أيام المدرسة، على الأقل جيلي، ونحن من ثقافة عريقة قال شاعرها: وخير جليس في الزمان كتاب. وننتسب إلى دين، قرآنه يبدأ بكلمة “اقرأ” ونحن لا نزال ندعي الحفاظ على الدين، ونصيح فخرا بالتراث وتدينا ظاهرا، ولكن هل نعمل بالأمر القرآني “اقرأ”؟ للأسف لا، ولذلك فقد خسرنا مكاننا في قطار التقدم، وحتى عندما لبسنا قشرة الحضارة ظلت الروح جاهلية.