البيت الذي يفتح نوافذه للكلام في سن مبكرة، يحمي الأطفال من الغضب في سن الرابعة وما بعد.. ففي الكلام تعبير عن الأحلام، والأحلام هي القناة المائية التي تنفِّس عن الاختناق الروحي.. اللاءات الكبرى التي يمارسها أولياء الأمور بحق الأطفال، تفرز قيحاً مريراً وتنفخ في «الأنا» إلى درجة التورم ثم التأزم، ثم عدم القدرة على التأقلم، ثم العجز عن مواجهة ما يعترض الطفل من مآزق ومحارق، وطرائق، فلابد من الكلام، ولابد من احترام ذات الطفل، ومشاعره، فقد يخطئ وقد يصيب، المهم في الأمر أن ينزل أولياء الأمور إلى سن مبكرة تساوي عمر الأطفال لا أن يطالبوا الصغار بأن يصبحوا فجأة كباراً ناضجين، عارفين بشؤون الدنيا وأخبارها وأسرارها وأغوارها وأطوارها.
وتكشف دراسة ذكرها موقع “لايف سانيس” الأميركي والتي شملت 120 طفلاً أعمارهم تتراوح بين 18 شهراً وأربع سنوات، أن الكلام المبكر يساعد الطفل على التحكم في غضبه في وقت لاحق، وأن الأطفال الذين تميزوا بقدرة كلامية ولغوية في سن الثانية كانوا أقل غضباً في أوضاع مثيرة للإزعاج في سن الرابعة.
فشد اللجام وضع الكلام، والإدغام، وإضرام النار في أي كلمة ينطقها الطفل غير ملائمة، إنما هو سلوك تربوي، يقود إلى مهالك وسوء مسالك، وطريق شائك، يبرز عنه شخصية مرتبكة، محتقنة، غير متزنة، وأحياناً مندفعة، متوترة، وأحياناً أخرى ينتج عنه شخصية محبطة منحطة، ساقطة في وحل الوساوس والخوف، والانزواء والخروج من فلك المجتمع إلى أفلاك منحرفة منجرفة عازفة نازفة غارفة من مستنقعات تنقل من الأمراض والأعراض الاجتماعية، المنبوذة والمكروهة.
الأسرة أولاً.. هي رحم الميلاد، وبيضة الدجاجة، إن كانت صالحة أتت أكلها وإن كانت طالحة أفسدت الفكر والدهر، وأطاحت الفرح الإنساني، وأسقطت أشخاصاً من حساب المجتمع.
الأسرة أولاً، لأنها الشرنقة التي تخرج منها، كائن الحياة، فلابد وأن تؤمِّن هذه الشرنقة الدفء والحنان، والقدرة الفائقة على التعامل مع كائن لم يزل غضاً لا يفقه من خبرات الحياة شيئاً ويحتاج إلى تدريب وتهذيب وتشذيب وتأديب، وتصويب، وترتيب، حتى لا يقـع في الخطأ الذريع، ولا ينساق إلى سبل تهدمه وتكظمه وترجــمه، وتحطمه، وتفاقمه، وتقذفه حثالة بائسة يائسة عابــسة في قوارع الطرق.. الأسرة أولاً، لأنها المكان، والزمان والتربة التي تنشأ من خلالها مشاعر الأطفال الخضراء، فإن عبست التربة يبست الأعشاب، وإن ابتسمت أزهرت الأعشاب وازدهرت بالفرح..
فعلموهم كيف يفرحون، يفرح الوطن بصفائهم..


marafea@emi.ae