بالأمس كان عهد الأيام بيننا، وكانت عيناك تلامس سر الوداعة، وترتاب من المرايا ومن شغب العصافير، وكنت تسهرين أمام خرير الماء، تغالبين الصحو على الطرقات والفيافي، ويوحي بك السمع على متعة الهدوء، وتطل عيناك من زجاجات الشبابيك المطلية بالسواد، تنقشين ابتسامتك بلون الحكايات القديمة، تغرسين الحانا من عذابات الصفو، ويختال صدرك بفرح، تفرحك الظلال على خيوط النهار، تأتين جزلا تلملم أنفاسك الدمع والنشيج، وتفضي عيناك للعشق، تراقص رغباتك كل الأناشيد، وتحاكي حبات المطر، هذا بعدك القريب يظلل مناسك العشق، تفضي بك الأيام، أينما تجرين عربة الملاذ، لك الأمد الحزين، وما تخفين من ينابيع الأسرار، يبتسم الشوق في صدرك الخفي، فيفتنه الانتظار، ويحرره الانتظار، وتهيمين بعطرك، من ملاذ الرحيق، من نبوءة صحوك، انت سر فيك هلامية السكون، هكذا أنت في أدغال الروح، تفتشين عن بقايا المطر بين ممرات السنين، وتتمتمين في ذاكرة الحب الكامن بالسحب، وتفرين من عباءة الغيم، وتعيدين لي أول الزمن، كل متممات اللهو البعيد، لتغزلين وعد السحر، ووعد لتجلي يأسر البوح. تتشكلين الآن من روح الفجر، ملأ عشقك القلب، تتوسمك الفصول والحكايات القديمة.. دثري ملاءة العشق بمعطف السحب، ولا توقظي مدى الدمع المتشرد كالأنهار الملتوية بين الدروب، أذاب هواءها نسمات النسيان، حين ترحلت الأيام عنها، كم شقت على النفس الأحلام، وتباعدت مدارات الصفو، ورويدا تبدد وجه المسافات، وكبرت الخيالات وتضخم لونها، وضاعت تحت قسمات الرغبات المريرة، وما أشقى الدمع بعد الصعاب، معاناة تنسكب ضائعة من اكتظاظ العيون بماء الحزن، تبددت كل النزعات المزمنة، وأنت في اختزالات الروح، وما أعصى بعدك، وما أمر حالة الترقب، كأن صوتك بدأ يترسب في جوف المطر الخفي، فلا يفضي اليه أحد سوى الانتظار، ولا يسكنه إلا الاغتراب، أنت كالعطر في جوف أعمق، لا يضاهيه إلا عمق الروح، فما ألذ توهجك بالحضور، وما ألذ توهجك بالغياب، كأن يخالجك الشوق ويعاتبك لكنك تبدين كالسر حين يكسوه عمق الزمن. مرري أنفاس عطرك على رياحين الروض، وأنبئي الفجر من طلع الحسن، تفردي بفضاءك، برسم قبلة على فضاء الاشتياق، انت ما بين فواصل الحياة، تنحتين صورة لك على جدار الفجر، كأنك برواز للصفاء، تودعين جمال السحر، كأنه يستيقظ من مهد الروح، ليتجمل بجنون السراب، وأنت تقفين على جمال المستحيل الذي لا يغيب، لا يغيب طلوعك ما بين منازل الورد، ولا يكسوك الوعد الزاهي، يا.. حين يمرر الفجر كلامك من فم الحسن، كأنه ينزلق من شرود الثغر، كأنه رضاب للمطر تغني، كأنه من حرير مطلي بالعشق، فضاءه صلاة الفرح، لحن أنفاس العطر، تمر على رياحين الصبح، على هيام خيالات النسق الجميل.