يحتفل العالم اليوم ''باليوم العالمي للغة الأم''، وهو نتاج جهود منظمة اليونسكو بالتعاون مع الجهات المسؤولة عن الثقافة والتراث والتعليم والفلكلور الشعبي في دول العالم، بعد ما أقر في المؤتمر العام الثلاثين لاجتماعات اليونسكو في باريس سنة 1999م يوم 21 فبراير من كل سنة هو يوم اللغة الأم، في محاولة حمايتها من الاندثار أو المحو أو الذوبان في لغات أكثر قوة وهيمنة واستعمالاً، وفي ظل عولمة قادمة يمكن أن تصهر الشعوب ولغاتهم وثقافاتهم في مفهوم ثقافة كبيرة متعددة ومفروضة· اللغة هي الهوية الحقيقية للإنسان، وهي التي تعطي له الخصوصية والذاكرة والثقافة في مفهومها الحضاري، واليوم هناك 6000 لغة مهددة بالزوال، خاصة لغات الأقليات، نتيجة ما يواجهها من مصاعب شتى في الحياة، وما تلاقيه من اضطهاد عرقي، وتفرقة عنصرية وإبادات جماعية، كانت لغاتها الأم هي أولى هذه الضحايا· لذلك كان مشروع اليونسكو العالمي بإصدار أطلس اللغات المهددة بالاختفاء، من أجل إحيائها وتدوينها وتوثيق كل ما يتعلق بها، وخاصة التراث الشفاهي، وقد ناشد المدير العام لمنظمة اليونسكو ''كوتشيرو ماتسورا'' في كلماته المختلفة بمناسبة اليوم العالمي للغة الأم إلى ضرورة تعلمها إلى جانب اللغات الأساسية والرسمية منذ الصغر، لأن اللغة هي البعد الأساسي للكائن البشري·· وهو كائن حي يعيش ويحيا في اللغة وبها· وقد أسفرت دراسات وأبحاث اليونسكو طوال سنين مضت عن ضرورة المحافظة على بعض اللغات المهددة في العالم، وقد نجحت مساعيها في أستراليا وتايلاند وسيبيريا وأفريقيا والهند وتيمور وأميركا اللاتينية، لأن ما نسبته 95 في المئة من لغات العالم المهددة، لا يتكلمها إلا 4 في المئة من السكان، و1 في المئة منها فقط على شبكة الإنترنت، حتى بلغ الأمر أن تموت لغتان كل شهر من هذه اللغات· وفي أفريقيا وحدها هناك 2011 لغة محكية إلى جانب لغات المستعمر التي تسيطر على لغة التعليم فيها، وهو الأمر عينه ينطبق على دول أميركا اللاتينية، وفي الهند وحدها هناك 80 لغة فقط من بين لغاتها الـ 200 تستعمل في التعليم، أما دول الاتحاد الأوروبي فينحصر التعليم فيها بلغات دول الاتحاد الرسمية والمعترف بها· وتساهم العولمة اليوم في تمكين اللغات الرئيسية من السيطرة، ومد نفوذها اللغوي عبر مستعمراتها القديمة، ومن خلال النشر والإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، مع التركيز على اللغة الإنجليزية، لغة الإنترنت والسياحة والمال والأعمال والإعلام، وتمييزها كلغة موحدة ومفهومة لدى معظم شعوب العالم، لذا بدأ نذير الخطر ينطلق حتى من تلك اللغات الرئيسية كالفرنسية والروسية والإسبانية والعربية التي تحتل المرتبة السادسة بين لغات العالم الأكثر انتشاراً بعد الصينية والإنجليزية والأوردية والإسبانية والروسية، وفي المرتبة الثامنة عشرة بين اللغات الخمسين من حيث الترجمة، هذا الخوف الذي تبديه بعض اللغات منشأه، خوف التأثير، وإزاحتها من أماكنها، وتمكن الأجيال القادمة من الإنجليزية وحدها، وتعطيل لغاتهم الأم أو جعلها لغة ثانية للحديث في البيت أو كنوع من الحنين، لأن لغة المصالح والأعمال والإعلام والتعليم فستكون اللغة القوية والمهيمنة والمسيطرة والمدعومة، اللغة الإنجليزية، وما هو اليوم نذير أو تفكير بصوت عال، قد يصبح في قادم الأيام واقعاً، وعلينا أن نتعامل معه بالرضا والحسنى أو بالإكراه وفرض الحال· راجياً أن يصار إلى قانون اتحادي بشرنا به أن يصدر لصالح العربية، وقدسيتها، ويحمى آخر خنادق الهوية!