هناك بعض السنوات تمر على الناس وكأنها رحى على الصدر، وكأنها من المثقلات على العباد، يباتون يعدون أيامها ولياليها، داعين أن ترحل بعيداً عنهم وعن أصدقائهم، ولا تجاور إلا عدوهم، لا يصدقون متى تنزاح عنهم كهم جاثم عليهم، لا يبتغون من خيرها غير كفاية شرها.
وبعض السنوات لا يعرف الناس كيف تمر سهلة كنسمة باردة أو كمطر خريفي يبلل المنازل وينجلي، لا يقدرون على تتبع أشهرها، أيامها بالخير جارية، ولياليها بالبركة سارية، يتمنونها كدهر طويل لا ينقضي.
بين الإنسان والزمن وحسبته النسبية لطول أيام السنين ومجريات خيرها وشرها، بين سنوات يعدها كالرحى ثقيلة، وسنوات كالنسمة خفيفة، تختلط عليه أمور، وتعصف به أحداث، قد يرجعها إلى القدر والمكتوب وأشياء تخص السماء، إذا ما أراد أن يبرئ نفسه، ولا يحملها من وزر مقدر ومكتوب في اللوح المحفوظ، وقد يرجعها البعض إلى أفعال الإنسان من المعاصي التي تكثر بين العباد وتعم البلاد، في تبرئة أخرى للنفس التي يعدها صالحة، ومجاورة لفعل الخيرات، وتطيع الأديان، لكن الواقعيين الذين ينظرون للمسائل أنها قابلة للعد والحساب الدقيق، والتفكير العميق فيرجعونها إلى أن سعادة الإنسان، وما يلقى من فرح في أيامها يمكن أن تجعل وحدها من شهور العام وكأنها ريح محملة بالمسك، تسكّن نفسه، وتجعله متعافياً، ولا ينشد غير متعة سيرها، وإذا ما صادف ورزق بولد فيها أو ربح في تجارة فسيعدها من بركتها، أما إن كانت السعادة مجافية نتيجة خسارة أو بطالة أو علة صحية فحتماً ستقود الإنسان إلى حسابات لا تنتهي، وثقل أيام لا تنقضي، وإذا ما صادف وفقد عزيزاً أو شهد منزله حريقاً فسيعدها من شقاء العام ونكده.
ومشكلة الإنسان أنه في أيام سعده لا يحسب كثيراً، ولا يريد أن يحسب، وفي أيام نحسه لا يقدر إلا أن يحسب، وهذا ما يمكن أن يفسر لنا كيف نرى بعض السنوات، ومضي أيامها كالبرق، وسنوات بطيئة كسير الماء الآسن، غير أنهما في عدد السنين والحساب متساوية، فقط سعادة الإنسان أو تعاسته هي من تضفي شيئاً من النور أو الظلمة على الأيام، وتجعلها كحلم جميل أو كابوس خانق.
ولو سأل كل شخص زميله، كيف هي السنوات الأخيرة؟ فالغالب سيعدها من المثقلات في سيرها، ولو سألته كيف كانت السنوات الماضية؟ فالغالب سيعدها من المفرحات المهرولات في سيرها، وهنا سبب آخر لهذه الفرضية أن الأعوام المنتهية لا يمكننا أن نحسبها اليوم كما عشناها بالأمس، لكن السنوات التي نعيشها اليوم فهي الوحيدة التي نقدر على حسبة دقائقها وتفاصيل فيها.. جعل الله سنينكم سنين خير وبركة فقط!


amood8@yahoo.com