لا تلتقي الضفتان إلا إذا جفّ النهر، في تلك اللحظة التي تتخلى فيها الطبيعة عن نظامها وتزحف الصحراء على الماء فتحيله يبساً وخراباً، وبعد النعيم الصافي والزرقة المتلألئة، يرى الواقفون على الضفاف التجاعيد وهي تزحف على جلد الطين الأملس، والشقوق وهي تكبر في جبين النهر الذي يهرم ويشيب مستسلما تحت سياط الشمس الحارقة، لكن ذلك لا يدوم طويلاً، إذ سرعان ما تعود المياه إلى مجاريها الأولى، يبدأ التدفق بقطرة واحدة تظل تكبر لتصير تياراً يجرف اليباس، ويقشع صخور اليأس من مكانها، متوجها باندفاع لا يصد إلى البحر العظيم. والبشر يشبهون الأنهار اليابسة حين يحاصرهم الجفاء ويصبح عادة يومية، وتقسى قلوبهم حين يمنعهم الخوف من مد يد الرحمة للناس ومساعدتهم. في كل يوم، حين يمر الرجل القوي على الرجل الضعيف ولا يمد له يداً لكي ينهض على الأقل، فإن ميزان العدالة الأرضية لا يتوازى، ويظل حال الدنيا في انقلاب وتجاذب بين يسر وعسر، وغداً حين يقوى الضعيف، فإنه لا يرحم من كان قوياً وضعف، ولا يظهر الشفقة لمن تمادى في الغي، فيندفع نحوه مثل تيار جارف ويلقيه إلى الهلاك انتقاماً وتشفياً. يظل باب الأمل مفتوحاً بمصراعيه في وجه الجالسين وهم ينتظرون الدخول سنيناً، لكنه يقفل حين يقفون في اللحظة الأخيرة ويمشون نحوه الخطوة الأولى. ولعبة الحياة مع الناس تشبه أحجار المغناطيس المتضادة، انها تتماثل في الشكل واللون والتكوين، لكنها تتنافر كلما قربتها من بعضها، وعلى العكس، قد يجذب المغناطيس أو ينجذب إلى نقيضه ويرفض الالتحام مع شبيهه، وقد يرى أعمى القلب الغرباء أوفى من ذويه فيلبي لهم. ولا مجال إلى الخلاص من هذا التنافر إلا بقبول افتراق الشبيهين، والتسليم بقوة التقاء الضدين. والإنسان عليه القبول بهما معا، منجذبا في يوم إلى هذا، وفي يوم آخر إلى ذاك. وسلم الأمل قد يحتوى على درجات من اليأس ينبغي صعودها حتى لو كانت مكسورة، وقاطف الوردة عليه أن يقبل بوخز الشوك وربما يفاخر أحياناً بانسكاب دمه. لا تلتقي النار بالماء إلا في عناق الموت، تولد الشرارة أولا من احتكاك الضدين قبل تلاحمهما، ثم تكبر الشرارة إلى حجم بركان، وقد تثور وتُهلك الزرع والنسل والتماثيل، لكن يعود المطر ليكبح اندفاعها، تتعانق القطرة بالشعلة هذه تموت وتلك تحيا، ثم يرتفع الدخان فيعمي عيون الكون قليلاً، لكن الريح تقشعه من جديد ليعود منظر الوجود صافيا بعد عكر. والناس لو فهموا دروس الطبيعة، لأدركوا أن الأشياء تولد أحيانا من موت أشياء أخرى، والفكرة التي يتخلى عنها صاحبها الكسول تموت لا محالة، لكنها تحيا عند رجل يسكنه الأمل، وقد تثمر أفكاراً أخرى كثيرة. والجري في الحياة إنما هو سعي لقطف الأفكار الشاردة التي ترتفع عالياً إن أهملت، ويصبح صعبا على الأقزام أن يطالوا إطرافها بعد ذلك. وقاطف الأفكار عليه أن يقبل بغموضها الحلو، وربما يفاخر أحياناً بانفلاتها منه. خذي الهواء كتاباً وخطّي على الرمل اسمي ساعياً إلى لؤلؤ العقل غاطسا في بحر عينيك كل يوم يولد المعنى ويموت ضدّه.. عادل خزام | akhozam@yahoo.com