مثلما تحتاج كلمة الحق للسان لقولها لابد لها من أذن تسمعها ليعيها القلب، فلا معنى للحقيقة إن لم تسمع، وحين تسمع كلمة الباطل تبطش اليد ويقسو القلب. وكما يقال «رب سامع خير من واع»، ومشكلة الإنسان الأولى في هذا العصر أنه يتكلم أكثر مما يسمع، في البيت لا يسمع الأب لأبنائه وللزوجة والأم كذلك وكل في واد، فترى البيت جبلاً من التناقضات الاختلافات فلا أحد يسمع أحداً. همسة في أذن قد تحيي قلباً أوشك على الهلاك، ونميمة في أذن قد تقود إلى حرب وعراك، فكم من بيوت خُرّبت بسبب أذن لم تسمع إلا الباطل. وقد تكون الأذن وسيلة لإعمار البشرية، حين لا تسمع إلا الحق والخير، وربما لحظات صمت وإنصات غيّرت مسيرة حياة. هم قلة الذين يقدرون على الإنصات والاستماع، ومن يملكون هذه الملَكَة، فإنهم بلا شك مؤثرون و كالسنابل يحنون ظهورهم مصيخين السمع لمن هم حولهم. وقد عوّض الله معظم من فقدوا نعمة النظر بنعمة السمع الشديد، فكانوا يرون من خلال ما يسمعون! بل أحبوا بآذانهم. نظرة عين قد توقع قلباً في الحب، ولكن همسة في أذن تغرقه في الأعماق. فكما أن العينين نافذتا القلب، فإن الأذنين، كما يقول بشار بن برد أيضاً لا تسمعان إلا من القلب! يزهدني في حــبّ عبـــدة معشــــر قلوبهم فيهـــــــا مخالفـــة قلبــي فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى فبالقلب لا بالعين يبـصر ذو الحبِّ فما تبصرُ العينان في موضع الهـوى ولا تســــمع الأذنان إلا من القلـبِ وما الحسن إلا كل حسن دعا الصبا وألف بين العشق والعاشق الصبِّ رفض النجاشي أن يسلم المهاجرين المسلمين لعمرو بن العاص - قبل إسلامه - دون أن يستمع لهم فدعاهم النجاشي، فدخلوا ولم يسجدوا له، فقال: ما منعكم أن تسجدوا لي؟ قالوا: إنما نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبياً صادقاً، وأمرنا بالتحية التي رضيها الله، وهي «السلام» تحية أهل الجنة، فعرف النجاشي أن ذلك حق، وأنه في التوراة والإنجيل. ثم تكلم جعفر بن أبي طالب فقال: إنك ملك لا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم، فقال جعفر: أما الذي كنا عليه فتركناه وهو دين الشيطان، كنا نكفر بالله ونعبد الحجارة، وأما الذي تحولنا إليه فدين الله الإسلام جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقاً له، فقال تكلمت بأمر عظيم، فعلى رسلك. وفي النهاية أمّن النجاشي المسلمين، بعد ما سمعه من قرآن كريم وقول الحق. بشار بن برد: وذاتُ دلّ كأن البدر صورتُها باتت تغني عميد القلب سكرانا إن العيون التي في طرفها حَوَرٌ قتلننا ثم لم يحيين قتلانا قلت أحسنت يا سؤلي ويا أملي فاسمعيني جزاك الله إحسانا يا حبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا قالت فهلا فدتك النفس أحسن من هذا لمن كان صب القلب حيرانا يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا فقلت أحسنت أنت الشمس طالعة أضرمت في القلب والأحشاء نيرانا فأسمعيني صوتاً مطرباً هزجاً يزيد صبا محبا فيك أشجانا قلت أطربينا يا زين مجلسنا فهات إنك بالإحسان أولانا لو كنت أعلم أن الحب يقتلني أعددت لي قبل أن ألقاك أكفانا * بالفصيح: سمع دقيقة قد يقود للحقيقة