قد تعشش في رأس الإنسان فكرة معينة، محددة المعالم، وتظل هذه الفكرة مسيطرة على حياة الفرد وتصرفاته، بحيث أنه لا يستطيع الفرار من قيدها، وقد تكون هذه الفكرة خاطئة في أغلب الأحيان، لكنه لا يستطيع دحضها، ولا يمكنه التخلص منها، وقد لا يملك اليقين بأنها صحيحة، لكنه يظل متمسكاً بها ويدافع عنها بشراسة، وقد يكتسب أعداءً كثيرين بسبب تمسكه بالفكرة الخاطئة، لكنه لا يجد سبباً مقنعاً للتخلي عن فكرته، كونها أصبحت هي التي تسيره، وتتحكم في آرائه وتمتلك لبه.

الفكرة قد تتمحور حول رأي الشخص في أخلاق صديق، فيرى أنه شخص يكن له كراهية شديدة، الأمر الذي يتوجب عليه الابتعاد عنه، وتحذير الناس منه ومن شروره. هذه فكرة، وهي مجرد خيال جامح اقتحم رأس هذا الشخص، وظل راسخاً مثل الوشم في الجسد، ولا يستطيع أحد أن يزيحه من «رأسه»، ولو بذل الشخص الآخر أقصى الجهد، محاولاً إقناع هذا الشخص أنه لا يكن له إلا المحبة، فهو لن يفلح في محو أثر الفكرة المسبقة، أو حتى يقلل من تأثيرها في نفس الشخص.

مثل هذه الأفكار، تأتي وتتحول بعد ذلك إلى مشاعر، وتبنى عليها مواقف، وهذه المواقف قد تتطور إلى مبادئ عامة ونظريات، وتأتي تتحول بدورها إلى معتقد على ضوئه تتشكل الشخصية التي منها يحدث السلوك الإنساني بصوره العامة، التي ينتج عنها ثقافة فرد، ومن ثم ثقافة مجتمع، إذا كان الأمر يتعلق بفكرة عامة.

الآن، ولو تخيلنا كيف تبني المجتمعات معتقداتها، وتصوراتها، ومن ثم ثقافتها في الحياة، سنجد أن الأخطاء التاريخية التي تلحق بهذه المعتقدات، هي نتيجة لثغرات نقشت وشمها على الذاكرة، وبفعل فاعل قد يكون مغرضاً، أو لأسباب تخص الخيال الخاطئ في النظر إلى بعض الأمور التي تهم الإنسان، وبتقادم الزمن تصبح الأخطاء حقائق، لما يتم عليها من إزاحات وتلوين، وإضافات من خيال الأجيال المتعاقبة، وبالتالي تصبح الفكرة الخاطئة صحيحة! لأن من يتلقونها لا يعرفون مصدرها ولا حقيقتها، إلا على لسان من ينقلها بعد التزيين، ولأن الأفكار المسبقة مثل دوائر الماء عندما تسقط على الأرض، فإنها تتسع رقعتها باتساع رقعة الزمن، حتى تصبح الرقعة المتسعة، محيطاً واسعاً في الذهن، لا يمكن النجاة من الغرق في أعماقه.

نحن بحاجة إذاً إلى تنقية وعاء العقل بصورة دائمة، حتى لا تتخثر فيه دماء الأفكار الميتة.