مصر التي في خاطري كمواطنة عربية، عرفت جغرافية مصر وحضارة مصر وتاريخ مصر السياسي القديم والحديث، مناطق مصر وأحياءها، جهاتها وآثارها، سياسييها ورموزها، سدّها ونيلها ومعاركها، نكساتها وانتصاراتها وتوالي الممالك والدول على أرضها، مصر هذه التي في خاطري وفي فمي ليست هي التي أراها اليوم، تتقاتل وتنقسم وتتشاتم وتستعدي بعضها على بعضها الآخر، مصر التي في خاطري برغم بؤسها الذي كان وفقرها الذي كان وتراجع دورها الذي كان، برغم  كل ما كان إلا أنها ظلت في خاطري - ربما حلماً أو وهماً - محصنة ضد الانقسام وضد الطائفية وضد التناحر وضد أن يعود فيها قابيل ليقتل أخاه هابيل غيرة وحقدا ورغبة في الاستئثار! إن الذي أراه وأسمعه وأتابعه وينقله لي أحبة وأصدقاء من أرض مصر صعب التصديق وصعب الاعتياد والقبول ! وقعت مصر - أو أوقعوها - في الفخ، استدرج الشباب الرائع الذي صنع أسطورة ثورته إلى متاهات ضيعت طريقه وأفلتت الزمام من يده، ليجد نفسه وبشكل مباغت يدخل نفقا لا ضوء في نهايته، بينما الثورة والأسطورة ومجد الشهداء ودماء الشباب وتلك الأيام الصعبة المريرة التي عبرت تاريخ مصر في نهاية يناير من العام 2011 تتباعد، وتتسرب من بين أصابع من صنعوا نسيجها لتستقر في أياد أخرى لا تمت لعنفوان أولئك ولا لأهدافهم وأمانيهم، وهكذا وبين ليلة وضحاها تغير الاتجاه وتبدل الربان وخاضت مصر بحور ظلمات حقيقية يراد أن تغرق المنطقة في دوامة عنف همجية لصالح مشروع فوضوي مقيت! لا أصدق أن ما حدث في مصر انقلاباً على الشرعية والدستور، حتى وإن كان عزلاً سياسياً بالقوة لرئيس منتخب، ذلك أن الدستور في حقيقته عقد اجتماعي بين الشعب والسلطة يتنازل فيه الشعب عن بعض حقوقه لسلطة تحكمه وتسير أموره بشكل يحقق مصالحه بالتساوي ويحفظ أمنه بالمطلق دون أن ينحاز لطرف أو يفضل أحدا، فهل التزم الحاكم الذي تنازل له الشعب عن كثير من صلاحياته ليحكمه بالقانون وبمنطق المصلحة العامة بذلك ؟ هل كان من تمت تنحيته ملتزماً بشروط ذلك العقد فعلاً؟ ومن الأساس هل التزم بالوقوف على مسافة واحدة من الجميع ؟ باختصار هل كان مرسي رئيساً مصرياً لكل المصريين ؟ سيرورة سنة أولى حكم  ونتائج سنة أولى سياسة أثبتت فشل الرجل في هذه المهمة العسيرة والصعبة جداً والواسعة جداً عليه! أن يكون في رصيدك حجج حججتهن خالصة لله، وأن تعرف كيف تؤم الناس في صلاة الجماعة، مؤهلات صلاح لها تقييمها الكبير في نظر الناس - كل الناس - هذا في التنظير، لكن في الواقع السياسي فإنها لا تؤهلك لتحكم قرية أو محافظة في مصر، فما بالك بمصر كلها، مصر الوزن الديمغرافي الضخم والمتنوع وصاحب التركة والتجربة السياسية المحترمة، مصر الثقافة والمثقفين والحضارة، مصر الإنجازات العلمية، مصر العمران والفنون والإرث الديني، مصر السينما والجامعات والموسيقى والثورات، مصر التي نعرفها جيداً، وذلك نحبها حتى لو لم نطأ أرضها، إن الذين حكموا مصر بعد الثورة لم يقدروا هذا الثقل جيداً، كانت نظرتهم قاصرة جداً، لذلك فقد فشلوا بأسرع مما كان العالم يتصور ! المتعاقدون أهم من العقد، والشعب أهم من الرئيس، ودم المسلم أكبر عند الله من زوال السماوات والأرض، لذلك فلا شيء يمنع أن يثور الناس وينقلبوا على حاكم انتخبوه فأثبت فشله في الالتزام بعقد الانتخاب، فلماذا يجب أن يقتل الناس وتزهق الأرواح، ويروع العباد وتعطل المصالح لأجل مرسي ؟ لماذا لا يقبلون بما طالبوا غيرهم بقبوله يوما، لماذا ؟ لأن الحكاية أكبر من مرسي ومن مصر، إنه مخطط دولي يخدم أطرافاً كبرى تؤجج المشاعر وتقتل البشر وتستعدي الناس بعضهم ضد بعض ليكتمل المشروع .. مشروع الفوضى الخلاقة ! عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com