أنطوان لحد·· تذكرونه، لا يختلف كثيراً عن أبي رغال ذاك الذي ساق جيش إبرهة الحبشي في التاريخ إلى شعاب مكة، البلد هو البلد، والخائن هو الخائن، من يفتح بوابة الحصن، هو نفسه من يكشف غطاء السر، وأسرار الوطن، كأثواب الأمهات الطاهرات، لا يكشف حتى وإن تغطت بكفن، هكذا هي الأوطان، وهكذا هو مهرها الغالي، وإن تغير الوقت، وتبدل الرجال، وتماهى ما هو نبيل في الجديد والمستحدث· اللواء أنطوان لحد·· قائد ميليشيا جيش لبنان الجنوبي، الذي انتقل من العمالة إلى إسرائيل إلى الزمالة، بعد أن بلغ من العمر 76 سنة، غير مأسوف على أيام شبابه التي قضاها في أعمال البر للعدو، وأعمال لا تسر الصديق· اليوم·· هو وشرذمته مثل خيول البريد، لا علف يليق، ولا ميدان واسع يغري بالموت، اليوم وبعد أن بلغ سن التقاعد، قرر اللواء لحد سابقاً، الشيف أنطوان حالياً، فتح مطعم بحري، وحانة أيرلندية ''أيرش بب'' وكباريه ليلي، في عاصمة أسياده تل أبيب، وستعلق على المطعم لافتة باسم ''انترناشيونال ستايل'' يديره ابنه وزوجته المقيمان في باريس، هذا المطعم الذي يسكن على شاطئ تل أبيب، لن يقتصر على تقديم الأكلات العالمية مثلما هو اسمه، فكما قدم أنطوان لحد رؤوس اللبنانيين وأراضيهم في شبابه، تعّهد أن يقدم في تقاعده الوجبات اللبنانية ضمن قائمة أكلات مطعمه، ولن يكتفي بذلك بل سيقدم الأرجيلة والطرب العربي والرقص الشرقي ضمن برنامج مشروعه السياحي· لحد اليوم·· يكتفي بتذكر أيامه الخوالي ومراقبة الشاطئ البعيد الأزرق، وتلك الأشجار التي ترسل رائحة الصنوبر والحور من ذاك القريب البعيد الذي كان يدعى وطناً، لم يبق معه من أشيائه المخلصة غير ذاك المنظار المُكبّر، المقّرب، الذي كثيراَ ما استعمله كعين خائنة تتلصص على ستر الوطن، مكتفياً بكتابة مذكراته وسيرته غير العطرة، والتي تحمل عنواناً ''في عين العاصفة'' التي أقلعته من البلد، الذي ظل يدفع له راتبه العسكري والبالغ 1460 دولاراً في حسابه المصرفي إلى قبل سنين، حين جرّده من كافة حقوقه المدنية، حاكماً عليه بالإعدام غيابياً· انسحب جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان، وبقي لحد وميليشياته والمتعاونون معه، والبالغ عددهم 6000 عميل من أصحاب الدمغة، ومهر الخيانة، تائهين بين النار والنار، وبين أبناء الدار والعدو الجار· اليوم·· قد يتمنى الطعنة الخاطئة النجلاء من الفتاة النجلاء، والتي يذكر اسمها كنجمة بين عينيه، سهى بشارة، تلك الفتاة التي حاولت أن تغرز خنجر الطُهر في العنق المتخاذل، المتدلي كشرف جندي مثلوم، كان ثمن الطعنة الصائبة الخاطئة عشر سنين في السجن، بعيداً عن كل ما تهوى امرأة في عمرها، قريباً من المرأة التي يشرف بها الرجال، كتاج من غار، أو غصن أخضر من شجر أرز لبنان· تذكرت لحد اليوم·· في اليوم السابع من الموت الإسرائيلي على لبنان عاشق الحياة، حيث ترتاح السماء ولا ترتاح آلهة الحرب، وتذكرت كل خونة البلد الذين يكشفون سر البلد، ويقتلون أبناء البلد، ويدلون على شعاب البلد، ويمدون جثثهم المنتفخة كجسور ليعبر العدو، ويدوس بأحذيته الموحلة تراب البلد، فإما خنجر لرقبة الخائن وإما خراب البلد· كل الناس قد يسألون، من أين لك هذا؟ حتى وإن كان مطعماً تافهاً، وحده الخائن لا يسأل إلا عن الذنب الذي لا يغتفر··