“نلتقي في الأسبوع القادم يا سيد كامو” هكذا قالت سوسان جينو Suzanne Ginoux للكاتب الفرنسي الشهير ألبير كامو Albert Camus فيما كان يهمّ بركوب سيارته صبيحة الثالث من يناير سنة 1960. فردّ عليها قائلاً: “أجل يا سوزان، أنا هارب من وباء الانفلونزا. سنلتقي بعد ثمانية أيّام”. كانت سوزان تشتغل في بيت كامو مربية وخادمة، وكانت على يقين من أنها تخدم كاتباً استثنائياً ملأ الدنيا وشغل الناس، إذ حاز جائزة نوبل وهو في مقتبل العمر. وخاض معارك فكرية وأدبية ضدّ جون بول سارتر Jean-Paul Sartre الذي يعدّ وقتها أشهر فيلسوف فرنسي حمل لواء الوجودية وفلسفة العبث. غير أن سوزان جينو لن تلتقي بكامو بعد تلك اللحظة ولن تراه إلى الأبد. فبعد أقل من يوم واحد سيقضي الكاتب نحبه نتيجة حادث سيارة مروّع اهتزّت له الدنيا. إن قدر المحارب خوض المعارك لأنه إن استراح هلك وليست فكرة استراحة المحارب سوى الطريق المؤدية إلى الهاوية. حين حصل كامو على جائزة نوبل قصد منطقة لورماران وابتاع منزلاً جميلاً وضيعة محاطة بكروم العنب. كان ينشد استعادة بعض من مناخ الجزائر وشمسها وحقولها التي احتضنت طفولته وشبابه. الراجح أيضاً أن ما جرى بينه وسارتر من منازلات مدوّية وعراك فكري شرس هو الذي دفعه إلى اختيار جنوب فرنسا مسكناً بعيداً عن غبار المعركة الفكرية التي حمي وطيسها. كان قدر سارتر وكامو مسطراً، والمنازلة بينهما حتمية. كانا صنوين وشبيهين. كتب سارتر رواية “الغثيان” ومدارها فلسفة العبث. وكتب كامو رواية “الغريب” ومدارها الفكرة ذاتها. كان كامو كاتباً مسرحياً فذّاً. وبذلك تشهد مسرحيته “كاليغولا”، وكان سارتر أيضاً مسرحياً تشهد بقدرته مسرحيته “أبواب مغلقة/ الذباب”. ومما كان يغيظ سارتر أن كامو يتعالى على الفلسفة ويتبرّأ من صفة الفيلسوف ويتشبث بصفة الفنان قائلاً: “لمَ أنا فنان ولست فيلسوفاً؟ لأنني أصغي إلى الكلمات وأفكر بحسب ما تسمح به الكلمات لا بحسب ما تسمح به الأفكار”. لكنه كتب فلسفة في منتهى العمق ولا سيما “أسطورة سيزيف” و”السقطة”. الرواية التي لا تمتلك أسساً فلسفية ليست سوى لغو في نظره. يقول: “الرواية ليست سوى فلسفة صيغت في شكل صور”. هذه العلاقة المتوتّرة ستزداد توتّراً عندما يمنح كامو جائزة نوبل. جاءت الكلمة التي ألقاها يوم تسلم الجائزة طافحة بالشجن موجهة، إن قليلاً أو كثيراً، إلى سارتر الذي يؤمن بضرورة تغيير العالم. قال كامو يومها: “الأجيال المتعاقبة تهفو، بلا شكّ، إلى تغيير العالم. أما جيلي فيدرك تماماً بأنه لن يغيّر شيئاً. لأن مهمة جيلي أكبر من ذلك، مطلوب منا أن نحافظ على العالم حتى لا يتحلّل ويتلاشى”. والثابت أن كامو أهدى كلمته هذه لمعلمه Louis germain الذي درّسه في الجزائر ومكّنه من الحصول على منحة دراسية.