الماء والكهرباء، شريان الحياة، والإسفاف والإسراف في استهلاك هذين الوريدين، إنما هو إسكات للنبض، والإعلان عن حالة إعدام لمجتمع بأكمله.. البعض من الناس يتصورون أنه طالما الطاقة التي تنير لهم الطريق، وتروي عروق أجسادهم، هي من اختصاص الحكومة، فهي التي توفرها، وهي التي تصدرها إلى بيوتهم، إذاً فهم غير مسؤولين عن المحافظة عليها، ولا يقع عليهم أي التزام بترشيد استهلاكها.. مشكلة الذهنية في كثير من بلدان العالم النامي، إنها اتكالية، ولا ترى أبعد من أخمص قدميها، الأمر الذي يجعل من مستقبل الكثير من البلدان في مهب الريح، لأنه مستقبل مرهون بأيدٍ تستهتر بالحاضر.. فعندما تمر في شارع وترى مصابيحه الضخمة ومن العيار الثقيل، مضاءة في وضح النهار، وعندما تسير في زقاق وتسمع خرير الماء يندلق كالشلال، سائحاً سابحاً في الرمل، متسكعاً في الأرصفة، بحرية عشوائية كما هي حرية الذي أطلق عقاله من دون مبرر أو حاجة.. عندما ترى بأم عينيك، رجلاً آسيوياً وقد وقف أمام مزرعة حشيش وقد انهال على المزروع منه بوابل من الماء، فأغرق الأشجار والأحجار، واستحم هو أيضاً في العباب، ليؤكد لصاحب البيت أنه أدى الواجب وسقى الزرع، وأهدر النبع.. عندما ترى بعض المنازل وقد أضاءت كشافات، تسطع بأنوارها، وكأنك تحاذي ستاد كرة قدم، فهذه الكاشفات المسفرات المبهرات، إنما تمتص دم الطاقة، وتثقل كاهلها، من دون أن يدري الشهم المبذر، ومن دون أن ينتبه صاحب النخوة، أن ما يفعله ما هو إلا انتهاك لحقوق غيره، هؤلاء الذين سيأتون من بعدنا وسيسألون ماذا فعلنا بحقهم من الطاقة.
“أطفئ.. أغلق” الحملة التي أطلقتها هيئة البيئة، أبوظبي، في مطار أبوظبي الدولي، لتنوير الناس، ولتسليط الضوء على مصدر لهم من مصادر الحياة، ولتعريف ملايين البشر الذين سيمرون عبر بوابة المطار، بأن الإسراف في استهلاك الكهرباء إنما هو مهلكة، فلابد من اليقظة ولابد من التقنين، ولابد من تثمين مقدرات الوطن، وما تقدمه الدولة من أجل راحة الناس وإسعادهم.. خطوة رائدة تقوم بها هيئة البيئة، وهي دليل على وعي وثقافة مجتمعية رائدة، وغير مسبوقة في منطقتنا.. نحتاج إلى مثل هذه الحملات، ونحتاج إلى مثل هذه الهبّات، لمنع الهدر، وكبح جماح الإسراف، والغرف غير المحتمل، من طاقة يحتاج إليها جيل بعد جيل، ونحتاج إلى هذه اليقظة الحضارية، لأنها لابد أن تأتي بثمارها الناضجة.. صحيح نحن في بلد نفطي، وصحيح نحن نستطيع أن نجلب الماء الذي يكفي حاجتنا حتى وإن شحَّت الأرض، ونضب معينها، ولكن المثل يقول “لا تسرف ولو من البحر تغرف”.. فالإسراف طاعون الشعوب، والإسراف مرض لابد من علاجه، والشعوب التي لا تؤمن بالمستقبل، هي شعوب منقرضة لا محالة.. ونحن نريد الحياة، لأنها رائعة وحتى نستمر في الحياة لابد من تحديد نسل هذا الغرف المجاني، المدمر.. لابد من العمل على اعتبار الحال العامة هي خاصة في حد ذاتها.. لابد وأن نوفر حتى لا نخسر.


marafea@emi.ae