اشتهر العرب بالهجاء في الشعر، وقد خلط بعض المؤلفين والنقاد بين الهجاء والسخرية والفكاهة، وهذا الخلط ولد التباساً في فهم كل منها، إذ توجد فوارق فيما بينها، فالهجاء يعتمد على السخرية والهزء والتصوير الكاريكاتيري المعتمد على»تضخيم عيوب المهجو»، والتجريح والتشهير والانتقاص، والمبالغة في التعدي، رداً على اعتداء، أو استجابة للعصبية، أو لغير ذلك من الأسباب، والسخرية والتهكم الناقدين النابعين من النفس، وفي ذلك يتجاوز الهجّاء حدود الغضب اللحظي، ليصبح نهجاً عقلياً واعياً بما يقول، مدركاً أن الهجاء هجوم مباشر وسبٌ صريح، ولا مانع من الفحش والإقذاع، إن لزم الأمر، وقد بلغ الهجاء درجات لا معقولة من الفحش. وخرج عن حدود الأدب والأخلاق. الهجاء يبقى فناً ما دام في حدود الأدب والأخلاق، وقد صنف بعض النقاد الفكاهة و السخرية والهزء ضمن الهجاء، وأظن أن في ذلك خطأ كبيراً، إذ قد يجوز تصنيف السخرية والهزء في باب الهجاء، ولكن الفكاهة أمر مختلف تماماً عن الهجاء و والسخرية والهزء. قد يكون الهجاء مشروعاً في حالة الدفاع عن النفس، كما حدث في عصر الإسلام، حين انبرى شعراء الإسلام للدفاع عن الإسلام والمسلمين والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ وقد روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أَنه قال: اللهم إِنَّ فلاناً هَجاني فاهْجُه اللهم مكانَ ما هَجاني؛ معنى قوله اهْجُه أَي جازِه على هِجائه إِيايَ جَزاءَ هِجائه. وهذا كقوله عز وجل: وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، وهو كقوله تعالى: فمَنِ اعْتَدى عليكم فاعْتَدُوا عليه؛ فالثاني مُجازاةٌ وإِن وافَق اللفظُ اللفظَ. قال ابن الأَثير: وفي الحديث اللهم إِنَّ عمرو بنَ العاصِ هَجاني، وهو يعلم أَني لست بشاعر، فاهْجُه اللهم والْعَنْه عدَدَ ما هَجاني أَو مكان ما هَجاني، قال: وهذا كقوله مَن يُرائي يُرائي اللهُ به أَي يُجازِيه على مُراءَاته. هبّ عبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت، دفاعاً، ولم يبادروا بالهجاء، وأظن أن الهجاء في معناه يتوافق مع معناه اللغوي، ولذلك كان له محاذيره و مشروعيته في أهدافه، فالهجاء لغة هو الشتم، هَجاه يَهْجُوه هَجْواً وهِجاء وتَهْجاء ، ممدود: شتمه بالشِّعر، وهو خلاف المَدْح. وقيل هو الوَقِيعةُ في الأَشْعار. والمُهاجاةُ بين الشاعِرَيْنِ: يَتهاجَيانِ. ابن سيده: وهاجَيْتُه هَجَوْتُه وهَجاني. وهم يَتهاجَوْنَ: يَهْجُو بعضُهم بعضاً، وبينهم أُهْجُوَّةٌ وأُهْجِيّةٌ ومُهاجاةٌ يتَهاجَوْن بها؛ والمرأَة تَهْجُو زَوْجَها أَي تَذُمُّ صُحبته. حسان بن ثابت: عَدِمْنَا خَيْلَنـــا، إنْ لم تَرَوْهَــــا تُثِيرُ النَّقــــــْعَ، مَوْعِدُهــا كَدَاءُ يُبَارِيــنَ الأســـنّة َ مُصْعِــدَاتٍ، عَلَى أكْتافِهَا الأســـَلُ الظِّمـــاءُ تَظَــــــلُّ جِيـــَادُنَا مُتَمَطِـّرَاتٍ، تلطــــمهنّ بالخمـــرِ النســــاءُ فإما تعرضــوا عنـــا اعتـــمرنا، وكانَ الفَتْحُ، وانْكَشَــفَ الغِطاءُ وإلا، فاصبـــروا لجــــــلادِ يومٍ، يعزُّ اللهُ فيــــــــهِ مــنْ يشـــاءُ لنا فـــــي كلّ يـــومٍ منْ مـــعدٍّ سِبابٌ، أوْ قِتـــَالٌ، أوْ هِـــــجاءُ فنحكــمُ بالقوافي مـــنْ هجانا، ونضربُ حينَ تختلـــطُ الدمــاءُ ألا أبلـــغْ أبا ســـفيانَ عــــني، فأنتَ مجوفٌ نخــــــبٌ هـــواءُ وأن ســــيوفنا تركتـــك عبــدا وعــبد الدار ســــادتها الإمـــاء كَأنّ سَــبِيئَة ً مِنْ بَيـــْتِ رَأسٍ، تُعفيِّهـــــا الرّوَامِسُ والســـّمَاءُ هجوتَ محمـداً، فأجبــتُ عنهُ، وعــندَ اللــهِ في ذاكَ الجـــــزاءُ أتَهْجُوهُ، وَلَسْـــتَ لَهُ بكُـــفْءٍ، فَشَرُّكُمـــــا لِخَيْرِكُمـــَا الفِـــداءُ هجوتَ مـــباركاً، براً، حنيفـــاً، أمينَ اللـــهِ، شــــيمتهُ الوفـــاءُ فَمَنْ يَهْجُـو رَسُـــولَ اللَّهِ مِنْكُمْ، ويمدحــــهُ، وينصـــرهُ ســــواءُ *بالفصيح : ما أشجعنا على الهجاء وما أكثر خلاف الأحباء وما أضيقها قلوب الأشقاء وما أرحمنا على الأعداء