صديق اللحظة الراهنة، صديق الومضة، صديق أحلام اليقظة، صديق يطير في حال غيابه عن العين، وبلا هالة تظلل الرأس وتكحل العين.. وصديق لايختزل الزمن، بل هو في الزمان والمكان ظلٌ ظليلٌ، وغصنٌ وارفٌ، ونهرٌ غارفٌ، وطيرٌ عازفٌ، ومنطقة خضراء واسعة، شاسعة، نابعة من تربة القلب ومن صلب قيم إنسانية ناصعة رائعة. صديق، يتغير المكان ويتحول الزمان، ويبقى هو شاهداً على ذاكرة صلدة جلدة، متوحدة مع التغيرات التي تشمل الجامد والمتحرك في الحياة.. صديق يلون الحياة بزخرفة من ود، والتزام بالعهد وصون للسد، يمسك بأجنحة الفراشات، ليطير بك إلى حيث تسكن مفردة العلاقة الإنسانية وإلى حيث يستقر الوجدان، عند الأحلام الجميلة وسط خميلة مبادئ نبيلة، سليلة أناس نجباء.. صديق، يغريك بحب الحياة، والالتفات إلى جهاتها الأربع، بتفاؤل يرسم أمام عينيك صورة للكائنات الوفية المتعافية من درن الخيانات والنذالات، والتنازلات السريعة سرعة البرق عن كل ما هو جميل في الحياة، وكل ما هو أصيل في العلاقات، وكل ما هو نبيل في وجدان الناس الطيبين.. صديق، يتطور نسلاً من ابتسامة شفيفة، وكلمة عفيفة، وهمسة رهيفة، ومصافحة أليفة، ويذهب بك في كل هذا إلى قيامة الفرح، وقوامة المرح، متشقاً لك من روحه، نتفة من رغيف الانتماء إلى الوجود. وصديق صفيق، يحتلب من ضروع البؤس بؤساً، ويحتطب من ربوع الرحب رجساً، وينتهب من نبوع النحس نحساً، ويستلب من نقوع البخس بخساً، ثم يأخذ من هذا كله حزمة وافرة، ليلقيها في طريقك متوخياً من ذلك الفعل أن تتعثر، وأن تتكسر وأن تتفطر تعباً وذلاً، لتقع بين يديه فريسة طيعة.. صديق يقطف من زمانك ما يسليه، وينميه، ويملأ جعبته بالفخر والاعتزاز ثم يرميك نواة، أو شيئاً من قطمير، ليجلس مسترخياً على أريكة الراحة، ناظراً إلى هوائك بكل جبروت، متورماً، مكتظاً بأحلام البارانويا، وهواجس الشيزوفرينيا، محتدماً بلمعان الحدقة، وبريق المقلة، وقلة الخجل وندرة الوجل.. صديق يتوارى ملفوفاً، بقماشة النسيان، لا يذكر ما قبل اللحظة الراهنة، ولا يتأمل في الصورة السابقة، ولا يتمهل في السير بسرعة فائقة باتجاه المنطقة الرمادية في علاقته بالآخر.. صديق يتسول النسيان، ويتوسل النكران، ويتسلل جدار الهجر والغدر، وكل الاحتمالات المبتورة، في حياته مع الآخر.. صديق يقال عنه إنه في زمن ما كان هنا في هذا المكان، في ذلك الزمان طفلاً عزيزاً، ثم شاباً يافعاً، ثم بعد ذلك أصبح رجلاً ضالعاً، في تغيير الصورة والمشي على رمال متحركة لا تترك أثراً ولا تنبت شجراً ولا تتحاشى قدراً. صديق علاقته بالآخر مثل علاقة الطفل بلعبته، أو علاقة المزكوم بالمناشف الورقية، أو علاقة المدير الأحمق بموظفيه، أو علاقة المرأة بالإكسسوارات. علي أبو الريش | marafea@emi.ae