التهجير أو الجزية أو القتل، هذا ما أقرته الجماعة المسماة «تنظيم الدولة الإسلامية» في العراق على المسيحيين بمدينة الموصل (350 كيلو متراً شمال بغداد) لتجبرهم على الفرار خارج مدينتهم للبحث عن مكان آمن للعيش وللعبادة ولحرية التفكير والمعتقد. تفاصيل كثيرة أوردتها وكالات الأنباء العالمية عن تلك الجماعة التي تشن حرباً شرسة في العراق الجميل، العراق الحبيب، عراق الشعر والأدب والفن والعلم، لتمعن في جرحه مزيداً من الجرح، ومزيداً من الألم والمعاناة التي تستمر منذ أكثر من عقدين. فمع تواصل التقدم الغريب وغير المنطقي على الأرض لهذه الجماعة القادمة من جحر التاريخ المظلم بكل تفاصيله الفظيعة اللاإنسانية واللاأخلاقية، تستمر أفعالها غير المقبولة والمدانة في المطلق، بطرد المسيحيين من منطقتهم مع فرض الجزية على من يبقى أو فرض الموت على أرواح من لا يرحلون ولا يدفعون جزية غير محددة السقف؛ تهجير بلا زاد أو أمتعة، ومصادرة كل ممتلكاتهم بيوتهم وأراضيهم، وهدم كنائس يعود بعضها إلى 1500 سنة ميلادية. أمام هذا الفعل وغيره من تلك الجماعات نتساءل ما الذي يحدث في منطقتنا، إلى أي جحيم يريد هؤلاء الذين لا يملكون أدنى منطق لمعنى الحياة والتطور والتقدم، لا يدركون معنى التاريخ وكيف نستعين به ونغزل منه العبر والحكم التي تدفعنا إلى الأمام كي نتنفس هواء نقياً ونعدو في المستقبل بقلوب صافية وعقول عبقرية ومنطق شفاف لا يتوارى ولا يرتدي الأقنعة. نتساءل مِن أين أتت تلك الجماعات؟ كيف نشأت؟ ومَن ربى تلك الضباع بعيدا عن العين حتى كبرت وأطلقها لتبث الرعب والدمار، ليكون لديها القتل أسهل من شرب كأس ماء، ليكون الإلغاء لديها كنسمة الهواء؟ مََن زرع الشر إلى هذا الحد وألبسه ثوب الدين ووضعه على جسد أمة بأكملها حتى شوهها وشوه الماضي والحاضر؟ لكن مع كل تلك التساؤلات يطل، علينا كتاب التاريخ ليقدم شواهد كثيرة أدت إلى كل هذا الجحيم الدائر في الكثير من البلدان العربية، كل هذا الموت المجاني والحياة غير الآمنة والمستقبل المرتبك، فمن كتب الدراسة إلى كرسي السلطة، هناك ضياع وخراب كان يعشش في تلك البلدان، غرس الأيدلوجيات، التسلط والقمع والتخلف الاجتماعي، تكريس ثقافة الخوف والخذلان والإذلال لدى الشعوب، تغييب الجمال والفن والإبداع والفكر، تهميشه وإقصاء أصحابه من الدور المحوري في التنمية والبناء، حتى اكتظت بهم المنافي هرباً من جحيم القمع والتسلط، هرباً من أجل تنفس هواء الحرية في تلك المنافي التي كانت أغلبها منافي غير عربية، ليبقى الصراع في تلك البلدان العربية أيديولوجي سياسي تسربت فيه بفعل فاعل كل سموم الفتنة والتخريب وتكريس النعرات الدينية، وبين الحق الضائع والهيمنة المثقوبة، كسر المتصارعون بعضهم بعضاً وفرخوا معتوهين ضاعت منهم بوصلة الحياة وأخذوا بلا هدى يطلقون خفافيش أفكارهم ليكبلوا الحياة. وفي هذا المشهد المظلم يبقى الإيمان بالحرية والإنسان وبالفن والجمال والبحث العلمي والاختراع والتفكير المتطور، بتكريس الثقافة بمعناها الحضاري والمتقدم، بإعادة غرس البذور وتغيير الأساسات، منفذاً مقبولًا لإضفاء الأمل على مستقبل متجاوز ومتقدم، مستقبلا بلا أفكار لا تفهم من الحياة سوى الرغبة في قتلها.