هل يؤثر فينا الشعر أكثر من النثر، ولماذا يجذبنا أكثر؟ سمِّي الشَّاعر شاعراً لأنه يفطِن لما لا يفطن له غيرُهُ. قالوا: والدليل على ذلك قولُ عنترة: هــل غـــادَرَ الشُّـــعراءُ من مُتَرَدَّمِ أم ـــهل عَرَفْتَ الدَّارَ بَعــد تـوهُّمِ للشعر لغة خاصة به مزودة بـ «شيفرات» أو رسائل سرية سحرية، لا تقبل التفكيك العضوي، ومهما حاولنا اكتشاف السر في طغيان الشعر وسيطرته، فلن نصل إلى حقيقة الجاذبية في الشعر. في الشعر تذوب اللغة والمعاني مع العاطفة في موسيقى، مما يأسر المتلقي، يخاطب الشعر الوجدان والعاطفة، مما يجعله ينساب في دواخلنا، فنتفاعل معه لأنه يلعب على أوتار الانفعال، أو كما يقول ووردز وورث (1770-1850م) «إن الشعر يتضمن الانفعال بصفة دائمة»، وفي «العربية» بالذات متسع رحب للشاعر، لاستخراج لآلئ الكلام الجميلة من محيط أعماقه ملأى بالدرر..اشتهر العرب بفنون الكلام، وتفوقوا في الشعر، لأنهم أصحاب عواطف جياشة، وهم شعوب عاطفية بامتياز، صقلتهم الصحراء، فكانوا أكثر حرارةً ولهيباً، من رمالها، وأكثر رقة من نسيم الصبا فيها، غلبت عواطفُهم عقولَهم، فجرى الشعر في عروقهم لجاذبيته الساحرة والآسرة، فكان منهم المجانين بالشعر والحب. قد يكون الشعر أحياناً هروباً من الواقع، فللوهلة الأولى الشاعر إنسان يحلق في الفضاء، هروباً من الواقع الذي يعيش فيه، وسيستشهد الكثيرون بقوله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ الشعراء (الآيات من 224-226). وينسون أو «يتناسون» بقية قوله تعالى «إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ الشعراء» الآية «227». لم يتخاذل الشعراء في الدفاع عن قضاياهم، فقد دافعوا عن الإسلام، وانتصروا له وأجابوا المشركين، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيهم «هؤلاء النفر أشد على قريش من نَضح النبل» وقال صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت «اهجهم - يعني قريشاً - فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام».. نعم، الشعر سهام، وقذائف، وصواريخ، عابرة للقارات، وحمائم سلام تحمل أغصان الزيتون إلى العالم أجمع. الشعراء ضمير الشعوب، ورسالة الشعر، لا تعدلها رسالة، شعوب وأمم، عرفها العالم من خلال شعرائها، هل تُعرَفُ فرنسا بلا «لامارتين»، وهل تعرف إنجلترا بلا «شكسبير»؟! منذ الجاهلية كان للشعر العربي رسالة، وحتى الشعراء الصعاليك، والذين نُقلت لنا تسميتهم «الصعاليك»، لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام سيادة شريعة الغاب، فناصروا الفقراء وثاروا في مواجهة الظلم الاجتماعي. بالفصيح: لو كان هؤلاء في أيامنا، في عصر العولمة، بمَ سيُلقبون؟ بالتأكيد بالإرهابيين.. وسنتبرأ منهم إلى يوم الدين. عنترة العبسي: أُعاتِبُ دَهـــراً لاَ يلِيـــنُ لعاتـــبِ وأطْلُبُ أَمْناً من صُرُوفِ النـَّوائِبِ وتُوعِدُنــي الأَيَّــامُ وعْــداً تَغـــُرُّني وأعلـــمُ حقـــاً أنهُ وعـــــدُ كاذبِ خَدَمْــتُ أُناســاً وَاتَّخَذْتُ أقاربــاً لِعَوْنِي وَلَكِنْ أصْبَحـُوا كالعَقـــارِبِ يُنادُونني في السِّــلم يا بْنَ زَبيــــبةٍ وعندَ صدامِ الخيلِ يا ابنَ الأطايبِ ولولا الهوى ما ذلَّ مثلي لمثلهـــم ولا خَضعتْ أُســدُ الفَلا للثَّعالبِ ستذكرني قومي إذا الخيلُ أصبحتْ تجولُ بها الفرسانُ بينَ المضـاربِ فإنْ هُمْ نَسَوْني فالصَّوَارمُ والقَـــنا تذكرهمْ فعلي ووقـــعَ مضــــاربـيِ فيَا لَيْتَ أَنَّ الدَّهْرَ يُـــدني أَحبَّتــي إليَّ كمــــــا يــدني إليَّ مـصــــائبيِ ولَيْتَ خيالاً مِنكِ يا عبلَ طـارقـــــــاً يرى فيضَ جفني بالدموعِ السواكبِ سأَصْبِرُ حَتَّى تَطَّرِحْـــــني عَواذِلــي وحتى يضجَّ الصبرُ بيــن جــوانبيِ مقامكِ في جــــوِّ الســـماء مكانهُ وَباعِي قَــصيرٌ عَـنْ نوالِ الكَواكِبِ