صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الولي الجديد

قبل النفط لم تكن هناك كهرباء ولا مدارس، كان هناك الظلام والجهل، وهما مكانان ملائمان لعشعشة كل الأشياء البعيدة عن الشمس والنور والعلم والعقل، كانت هناك قبور الأولياء الصالحين، ومعظمهم لا نعرف كيف وصلوا إلى المكان، أما بالنسبة للمواطنين السابقين، فلا اعتقد أن هناك من عرف عنه التصوف والتقى الشديد، وعرفت عنه كرامات حتى ذاع صيته، وعلا اسمه كواحد من أولياء الله الصالحين، فكلهم يقص أثر الآخر، إما سارياً بالليل أو لائثاً على رمثة برّية قبل أن يظهر الصبح، ومعظمهم يحفظ قصار السور من أجل الصلاة، وحين يقرأها، يقرأها بعاميته ومحليته، لذلك حين نطرح سؤال الطفولة المشاغب، هذا الولي ولد مَنْ، أو ما عنده عيال تعرفونهم، يردد الشواب مثلهم القديم ''ما يظهر من اليهودي نبي''· كانت قبور الأولياء منتشرة في بقاع مختلفة من الإمارات، تنذر لها المرأة العاقر، والمدارسة، والعروس غير الولود، وأم البنات، والأم الخائفة على وحيدها، وغيرها من مشكلات ذلك المجتمع البدائي البسيط· ظهر النفط وبدأ التعليم وخرج جيل بين العلم والمعرفة، وظهرت الكهرباء وبدأت النهضة تعرف طريقها للبيوت وللناس، واختفت مظاهر بعض الدجل والشعوذة والزار والسحر والجن، واختفى بدوره قبر الولي، وانمحت معالمه، ولم يعد الناس يزورونه، بل حتى تناسوه ونسوه، وبدأ الجيل الجديد يجهل كل تلك الأشياء القديمة، هي دورة التطور وعجلة الوقت والنور حين يفتح العيون ويعطي للعقل بعض حقه· لكن مع اضطراب المجتمع وحركات التغير فيه، والرجّة التي تحدثها حركة المال في اليد، والمغريات والمحدثات التي تعصف بقيم الناس، والانتكاسة التي تصيب بعضهم من جراء التطور، وهجوم الجديد، وتلك الأفكار التي قدرت أن تندس في نسيج المجتمع العربي، بعيداً عن عيون الإصلاحيين والمتنورين، وبعيداً حتى عن عيون السلطات، بدأ قبر الولي يظهر من جديد، ويظهر من خلفه المستفيدون من الحالات الدينية والشعوذة المصلحية، حتى جيء بالولي إلى فنادق الدرجة الأولى، وأصبح مسؤول قبر الولي يحضر بفيزا الزيارة أو الإقامة، وأصبح مكانه جناحاً في فندق كبير، وظهرت من جديد المرأة غير الولود، والمرأة منجبة البنات، والمرأة التي ليست على وفاق مع زوجها، والمرأة المتزوج عليها زوجها· راجت التجارة، ورجعنا خطوات إلى الخلف، وبدأنا التعامل مع الوسيط والساحر ورجل الدين المشعوذ، وظهرت أدويته وحجبه، وطلاسمه، وبدعه التي لا تنتهي·· من قرن ثور عجوز، إلى حمل حليب أمه على فمه، أو جلد ضب، أو شوك قنفذ، وعزر الزيران، ومتطلباتهم التعجيزية· لقد تطورت الطلبات من ثوب مورّس وحناء وخاتم فضة وحجر فيروزي إلى دولارات خضر وعملات صعبة ويورو، وشيكات وتحويلات، وسيارة لكزس، وسفرات على الدرجة الأولى إلى المغرب، وزيارة الأضرحة وطلب الشفاعة، وطلب سيد الأسياد شقة في الريفيرا الفرنسية، وقرينه شقة في الريفيرا الإيطالية· هل نفتش عن المرأة وانتكاسة الجهل والتخلف، خلف كل هذه الأمور قديماً وحديثاً؟!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء