قبل حوالي اثني عشر عاماً مضت، دخلت عالم النت والإنترنت، وتابعت تحولاته من مجرد مكان تعرض فيه الشركات نفسها إلى ظهور البريد الإلكتروني والقفزة المعلوماتية التي صاحبته ثم المنتديات وبعدها ظهور المتصفحات المختلفة وتقنيات مثل الفلاش والفيديو والصوتيات، وصولاً إلى انفتاح الإنجازات اللامتناهية في النت. في الفترة الأولى كان كل مشتركي الإنترنت حول العالم يستعملون الحروف الإنجليزية للطباعة، وكان هذا الشيء طبيعياً في ظل غياب اللغات المختلفة في متصفحات تلك الفترة، لذا لجأ العرب -حالهم حال الآخرين- إلى الكتابة بالحروف الإنجليزية، وكانت رسائل البريد الإلكتروني والمواقع المختلفة وحتى «الشات» بالحروف الإنجليزية. «طعم العرب» هذه الحروف بالأرقام، فأضافوا ما يناسبهم إليها لتكون لغتهم «الموازية» للعربية على الإنترنت، وقبل عشر سنوات دخلت العربية إلى المتصفحات وغلبت بوجودها على المواقع العربية سواء كانت مواقع الشركات أو المواقع الشخصية أو حتى «الشات». كنت أظن أن اللغة «الموازية» التي ابتكرها الشباب غابت واندثرت لغياب الحاجة إليها، لكنها صدمتني بالحضور في شكل آخر، لقد عادت هذه المرة في شكل رسائل نصية باتت تنتشر في الأجهزة الذكية، وقد كانت بطلة الحضور في هواتف المراهقين والطلاب الجامعين، لغة هجينة تزكيها مفردات صارت شائعة في حياتنا اليومية مثل: برب (التي تعني سأعود قريباً)، والرد عليها «تيت» (تعني خذ وقتك)، واقنور (تجاهل)، بلوك ودليت (امنع واشطب)، لول (تعني قهقهة) وغيرها من مفردات اللغة الإنترنتية التي صارت جزءاً من ثقافة شباب القرن الحالي. تواتر المفردات الإنترنتية وتكالبها على الصغار، جعل الكثير منهم يجهلون أصول الكتابة العربية، وبعد أن كانت مشكلتنا التفريق بين حرف «الضاد» و «الظاء» فتحت لنا الإنترنت جبهة نسيان كتابة حرف «الطاء» هل يكتب (طـ) أو (6)؟ وصار معظم طلاب الكليات -فما بالكم بالصغار- يجهلون اتجاه كتابة حرف العين هل هو إلى اليمين ليكون (ع) أو إلى اليسار ليصبح (3)؟. إشكاليات كتابة الحروف وقراءتها صارت موجودة وواردة حتى لو حاول البعض التقليل من حجم المشكلة، يزيدها حطباً موضوع تضاؤل المفردات العربية في عقول وألسنة الجيل الجديد، فصارت معظم الكلمات العربية القوية غريبة عليهم، بل إن الأمر وصل إلى الأمور البسيطة مثل عبارة إجازة نهاية الأسبوع التي لا يعرف كثيرون أنها تعني «ويك إند» أو كلمة عبارة مكالمة فائتة، والتي يعبر الجميع عنها بأنها «ميسد كول». اللغة العربية تتخبط تحت ضغط تيار اللغة الأجنبية، وانصراف أبنائها عنها، وحتى كونها لغة اختيارية لدى الكثيرين ولا يعتبرونها سوى وسيلة للتفاهم مع «البسطاء»، ولو تأخرنا أكثر في تقدير اللغة العربية وسن القوانين التي تحميها وتعلي من شأنها، فلن يتبقى منها في الحياة اليومية بعد سنوات عدة سوى بضع مفردات نسمي بها الأشياء.