جاءت كمدينة تضفي لمسة على خريطة العالم التراثي والإنساني، جاءت بعيون فتياتها، وبروج هامتها وتشكل طرقاتها، وبفضاء ذاكرتها وبخيال متسع من أجل هذا المد والذي أعطى نكهة لمفصل التاريخ، وبهذا حظي التراث العالمي بمدينة تاريخية تمثل صفوة المدن، بل نشوة الفرح. فقرار اليونسكو أطل متأخرا، ولم تكن الذاكرة لتسعف المعنيين لولا هذه اللحظة.. فالعين المدينة الشاهدة على تراث إنساني، هي ذات قيمة تاريخية دالة على آلاف السنوات، وتمثل خاصية للمجتمعات، وهي اللغة الفصل من خلال خلجات الكفاح الإنساني من أجل العيش الكريم، والأهم من كل ذلك هو اكتشاف الحياة من خلال مدنها التاريخية. مدينة تعبر الزمن وتستوحي إرادتها من قصص تاريخية وحضارية، فلم تنهكها الحياة بقدر ما سطرت لها إرثا يصطفي من قائمة المنجز الحياتي، فالعين تزخر بواحات النخيل وقسمات من الحدائق الرائعة بهندستها فيتجلى إبداعها بفسيفساء واقعية، وتجسد حيويتها متاهة جميلة ابتداء من مداخلها، كالسوق الذي أعهده قديما لكنه محور للتجارة ولا زال يحافظ على مكانته بين أهالي العين، ولا ننسى القلاع المحيطة، وهي تتآلف مع سحر الواحات لتشكل لغة مخملية رائعة، ولا يمكن تجاوز المساجد ومآذنها المستوحاة من خصوصية المدينة التي تعبر التاريخ من خلال ينابيعها وأفلاجها الخلابة. للعين فنائيات مستوحاة من الحارات، فالطابع المؤثر والماثل كحارة السوق، المقترنة بالسوق وبمسجد الشيخة سلامة، والملتصقة بالمتاحف المجاورة، متحف العين ذو الخاصية المهمة والضالع في تاريخ المنطقة، ومتحف الجاهلي المختص بمقتنيات المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وكلا المتحفين يطلان على واحة النخيل وعلى أفلاج تشكل لوحة جميلة في تموجها. وللعين متاحف شاملة لمدينة تاريخية بمعنى الكلمة، تميزها الصورة الخلابة والمبهرة ما بين الجبال والقلاع وما بين البيوت القديمة والمستوطنات البشرية التاريخية، والتي تشكل بانوراما حالمة وأكثر بروزا من خلال الهيكلية الحضارية. وتزين لوحة العين رمالها التي تشبه الزعفران، ومناظرها الشائعة بالكثبان الرملية، مناظر تستهوي البشر وتجذب مساراتهم من أجل استشراف الحضارة الماثلة. لم تولد مدينة العين من المنفى، بل هي معتقة حتى جذورها الإنسانية، فمن يألف عجائبها وتأسره الحياة على أرضها، يألف بصورة تلقائية مدها الثقافي، تتقد حالتها الإبداعية وتشع شمسها خيوط متعانقة بالزهو، فلا اغتراب يضاهي العيش على بساطها، ولا أسرار تمهد لاكتشاف أعماقها، بل هي الأسطورة المشعة بالحياة، والمستأنسة بالبشر على اختلاف أنماط سبلهم وحياتهم، فمن يعهد مكونها لا يود أن ينطلق بعيدا، أما أهلها فيتحدثون بشوق دائم عنها وكأنها بمكانة الأم الرؤوم التي ولّدت بداخلهم كل هذا الحب. حين تحدثت لكبار السن من أهل العين ممن عاصروا صيد اللؤلؤ والعمل خارج نطاقها، ردوا جمعيا: مستحيل العيش بعيدا عن مدينة العين حتى لو كلفنا ذلك حياتنا، فكل من هجرها عاد الى أكنافها إذ لا توجد مدينة سواها تكتنز هذا الجمال والإبداع.