عندما ذهبت إلى الولايات المتحدة سنة 1977 لم أكن أعرف عن مناهج النقد الأدبي المعاصر في الغرب الكثير. كنت أعرف ما ترجمه أساتذتنا من كتب، آي. إيه. ريتشاردز وأقرانه في النقد الجديد، ولم أقرأ عن البنيوية وما عاصرها من مذاهب جديدة. وكنت قد ذهبت إلى جامعة وسكنسون لأحل لمدة عام محل الأستاذ الأميركي الذي حصل على إجازة لمدة عام. وهناك فى مدينة ماديسون، تعرفت على مكتبات الجامعة في أميركا، فعرفت وجها من وجوه الفوارق بين تخلف جامعاتنا وتقدم جامعاتهم. وكنت كالمجنون النهم الذي يريد أن يأكل كل ما على المائدة، فكنت أستعير من المكتبة كتبًا عديدة فى الزيارة الواحدة، وأكتفي بالتصفح، وما يعجبني وأعلم أنه يفيدني كنت أقتنيه من المكتبات الموجودة. وكنت فرحا مذهولا من هذا المناخ الذي جعلني أزداد نهما في تحصيل ما لم أكن أعرف، فأكملت إتقان اللغة الإنجليزية حتى أتمكن من القراءة الفاهمة، وأخذت أنفق أغلب مرتبي على الكتب التي كانت لا تزال زهيدة الأثمان، وكنت أرى نفسي أشبه بشخصية علي بابا الذي دخل مغارة اللصوص الأربعين في غيبتهم، فبهره ما وجده فيها من كنوز، وظل يصرخ ذهب، مرجان، ياقوت، أحمدك يا رب.. وكم من مرة ضبطت نفسي أفعل مثله، وأهتف في سري: بنيوية، تفكيك، هيرمنيوطيقا، سميوطيقا، نقد أدبي ماركسي، أحمدك يا رب.. وكان ما اشتريته من كتب في ذلك العام هو الأساس الأول لمكتبتي الخاصة بالنقد الأدبي. وأذكر أنني ضللت الطريق إلى الجامعة ذات يوم، فاكتشفت أضخم مكتبة لبيع الكتب الماركسية في الولايات المتحدة، فقد كان التيار اليساري قويا جدا في مدينة ماديسون، ودخلت المكتبة وظللت فيها ساعات، ألمس الكتب التي كنت أسمع عنها، وأتصفحها، وأشتري الكتب التي سمعت عن قيمتها ولم يتح لي الوقت ولا المال لشرائها. هكذا اقتنيت كل الكتب المترجمة عن لوكاش ولوسيان جولدمان وبيير ماشري وتيري إيجلتون، واشتريت مجلات النقد الأدبي التي تصدر عن التجمعات اليسارية، وظللت أقرأ كالمحموم في كل اتجاه وكأني أريد أن أمحو عن ذهني أي أنواع الصدأ. وأذكر أنني عرفت كتاب أمبرتو إيكو العمدة عن السيميوطيقا أو علم العلامات في ذلك الوقت، وقررت أن أقوم برحلة إلى مدينة شيكاغو القريبة كي أزور مجلة “شعر” التي أنشأ يوسف الخال وجماعته مجلة “شعر” البيروتية على غرارها. ويا للسعادة التي كنت أشعر بها عندما كنت أفرغ من قراءة كتاب والإفادة منه، خصوصا أن كل شىء كان متاحا. وكنت أذهب إلى الجامعة لتدريس اللغة العربية لطلاب الجامعة الراغبين في تعلمها يومين في الأسبوع، وباقي الوقت لحضور دروس تحسين لغتي الإنجليزية، والقراءة وحتى عندما عرفت صديقات أميركيات، كنت أطلب من أحسنهن صوتا، وأوضحهن نطقا، أن أسجل صوتها وهي تقرأ فصلا من فصول الكتب المهمة، وأظل أستمع إلى هذه التسجيلات حتى يغلبني النوم، وصوت القارئة يتغلغل إلى قرارة القرار من ذاكرتي.