من وجهة نظري، ليس أجمل من أن تحرك مؤشر المذياع صدفة باحثا عن شيء يخطفك بعيدا عن هموم اللحظة، فتفاجأ بأغنيتين متتابعتين من أكثر الأغاني القادرة على قلب مزاجك ناحية الفرح. ولأن الهم لم يكن له سبب، فمن المنطقي أن تتسبب أغنيتان بقلبه فرحا بلا سبب أيضا؛ هذا ما حدث مع محدثتكم المحظوظة. ولأني أعلم أن ما أبوح به في هذا المكان -من أشياء تثير غيرة البعض- أفقدها بمجرد صدور المطبوعة، لذا سأتوقف عن تحريك مؤشر المذياع لمدة كافية حتى تهدأ نفوس الحساد، وسأكتفي بالاستماع لهما عبر اسطوانة، رغم لذة صدف الأغاني على المذياع. ولأني أصنف نفسي “سميعة ثقيلة”، فإن الأغنيتين الكفيلتين بتغيير مزاجي بعيدتان تماما عن ذوقي الذي فيه وقار لا يناسبني؛ الأغنية الأولى للجميلة “نانسي عجرم” الدنيا حلوة والتي تشعرك بأشياء تكركر وتتقافز أمامك أثناء سماعها، والثانية لأحمد عدوية “الناس الرايقة” والتي تشعرك وكأن دخاناً غريباً ولذيذاً يحيط بك، وبين الأغنيتين فرح آني مؤقت، ولكنه مبهج وكاف لصباحات عادة ما تأتي متأخرة. ? ? ? نظل طويلا نبحث عن عناوين تحتضن دواخلنا، تسمعنا، ننثر على أعتابها هزائمنا، عناوين لا تفشي أسرارنا الساذجة، وقصصنا المضحكة، ولا تحاول أن تعكر صفو بوحنا الخاص بتقديم النصائح والوعظ، ولا تحذرنا من مغبات أفكارنا الخاصة؛ عتبات تشاركنا لذات السقوط أمامها ثم النهوض، والسقوط ثانية؛ ننتظرها طويلا، ننتظرها بصبر وترقب وشوق لا حدود له، وعندما نحصل على هذه العناوين نكتشف أن ما جمعناه من أشياء أثناء انتظارنا لها، يمنعنا حتى من مراسلتها. ? ? ? على شاطئك مشيت حافية القدمين، داعبت بأصابع قدمي رمالك الباردة، شاكست أمواجك، وجعلتها تلاحقني فلا تلحقني، بنيت قصورا كثيرة من رملك، وتركتها شامخة لا ينالها عبث من يعبرون؛ تحدثت مع قواقع مراسيك وأودعت أسراري بها، ورميتها بعيدا في عمقك حيث مرفئي وحدي؛ استنشقت رائحتك التي لا يعرفها سواي، وأطلقت تنهيدتي، فرقصت أمواجك شاهدة على شفائي الأبدي. Als.almenhaly@admedia.ae