كنت في ركن متطوعي” تكاتف” بجناح الإمارات في معرض “إكسبو” بشنغهاي، عندما وجدت أمامي نسخة من كتاب”سرد الذات” لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ويبدو أن النسخة كانت تخص أحد متطوعي أو متطوعات البرنامج الذي يسجل نقلة نوعية في أداء العمل التطوعي بصورة تعبر عن تطور وتنوع في مجال الخدمة المجتمعية لشباب هذا الوطن.
كنت قد سبق لي أن قرأت الكتاب الذي لطالما رغبت بالتشرف بالحصول على نسخة منه بتوقيع المؤلف، كما تشرفت من قبل بتلقي نسخة من كتاب”رؤيتي” لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بإهداء وتوقيع سموه، وهو يعبر عن اعتزازه وتقديره لكل من يعبر بقلمه عن شجون وشؤون إمارات الخير والمحبة، لم تكن تلك المرة الأولى التي أقرأ فيها الكتاب، ومع ذلك وجدت نفسي وعلى مدى أيام وجودي في جناح الدولة بمعرض إكسبو شنغهاي، أنتبذ زاوية أبحر فيها مع صاحب “سرد الذات” الذي قال في مقدمته “كتبت هذا الكتاب لأوثق فيه تاريخ أهلي وبلدي، على مدى تسعة وعشرين عاماً، في أساليب من القول، بعد أن أزلت منه الغث أو ما اختلط به”، وقال “لقد أغفلت كثيراً من الحوادث والروايات لأناس قضوا نحبهم، فذكرها يثير الضغائن التي أمر الله بسترها”، فجاء السرد سلسلاً راقياً وبلغة جزلة تعبر عن نفس صافية في أحوال وأحداث متلاحقة لحقبة مفصلية من حقب تاريخ الإمارات.
وقد كان أكثر ما يستوقفني بين سطور ذلك السرد الرفيع بساطة التعامل والإصرار على التعليم رغم ظروف الحياة وضنك المعيشة، وترفع عينيك عن الكتاب لتتلاحق أمامك صور ما تحقق اليوم للإمارات، وهذه الصور الزاهية تتراقص للرائي في الجناح عن أرض الخير والحب والنماء، وهي تضم بين جوانحها صروحاً ومنارات للعلم، وما بين مدرسة القاسمي في “بيت البريمي” أو “بيت بن كامل” ذات السور الفاصل بين قسميها بسعف النخيل في خمسينيات القرن الماضي، وما بين المدينة الجامعية في شارقة الثقافة مسيرة حافلة عبر رحلة كفاح وإصرار وإرادة، لعل واحدة من ثمارها هؤلاء الشباب الذين ينتشرون اليوم بين أرجاء الجناح، يقدمون صورة زاهية عن بلادهم، وهم على هذا القدر الرفيع من العلم، وفي الوقت ذاته يحرصون على أدوات ومقومات هويته الوطنية، وهم يطلون على الماضي ويتطلعون بثقة باتجاه المستقبل.
غادرت الجناح بعد أن فرغت في عدة جلسات من قراءة “سرد الذات” وشعور بالامتنان يغمرني تجاه صاحب السرد الذي أضاء لنا جوانب من تاريخ حافل من حق أجيال اليوم التعرف عليه، من منابعه من رجال كانوا شهوداً على عصر من تبدلات وتحولات رغم ضراوتها لم تستطع إبعاد إنسان الإمارات عن قيمه وجذوره الأصيلة، وارتباطه القوي بمحيطه العروبي وانتمائه ووفائه لقضايا أمته العربية والإنسانية، رغم الظروف التي كان عليها في مراحل مبكرة من التاريخ، وكم نحن بحاجة لإطلاع هذه الأجيال على ما اتصل من تاريخ ثري للآباء والأجداد.


ali.alamodi@admedia.ae