نغرق كثيراً في ثقافة الاستهلاك لأننا لا نعرف ثقافة الإنتاج ، هذه عبارة أقتبسها من رسالة قارئة تحكي حادثة عايشتها أثناء سفرها حيث كانت في سويسرا منذ مدة وشاهدت أطفال المدارس يعملون جنباً إلى جنب مع عمال بلدية زيوريخ الذين كانوا يقومون بزراعة أنواع محددة من الأزهار والأشجار وعندما اقتربت منهم وسألت المشرفة التي كانت تتابع الأطفال أثناء عملية الزراعة أخبرتها بأن ذلك ضمن البرنامج الدراسي لهؤلاء الأطفال وهم يستمتعون بذلك رغم البرد والجو الممطر ، فالحادثة كانت في شهر يناير تقريباً يعني في عز الشتاء القارس في أوروبا . لقد تجاوز هؤلاء الأطفال في سويسرا مرحلة النوم على الأريكة ومشاهدة الإعلانات ثم النزول إلى المراكز التجارية لتكريس مفاهيم الإعلان ورسائله في سلوكهم .
الزراعة واحدة من أرقى الأعمال الحضارية في تاريخ الإنسان ، وإذا تأملنا قليلاً سنجد أن كل الحضارات الكبرى الماثلة أمامنا اليوم قد بدأت بجوار الأنهار وعن طريق الزراعة ( حضارة وادي النيل – بلاد الرافدين – الهند – الصين .... ) إضافة لكونها ثقافة بيئية عالية جداً ، يتلقى الطفل منذ نعومة أظفاره معنى أن يحافظ على البيئة والأرض والمناخ ، فذلك أكثر فائدة بمئات المرات من أن يلقن كلاماً جافاً من الكتاب بدون أي تطبيق عملي .
عندما كنا صغاراً لم تكن قضية الزراعة تعني لنا كل هذه الثقافة التي تعلمناها عبر دروب العمر ، لكن أيا منا نحن أبناء سنوات التأرجح بين الكفاف والرفاه لا شك قد نشأ في بيت كانت تتوسطه شجرة لوز كبيرة، وعلى سور المنزل كانت تتوسد شجرة سدر ضخمة ينهمك الصغار حين تلوح ثمارها الصفاء المغرية في خبطها بالعصي أو قذفها بأي شيء كي يتناثر ثمرها الحلو المميز المذاق ، دون أن تختفي النخلة من أي بيت تقريبا ، كان أهلونا يعشقون هذه الأشجار كثيراً، حتى تحولت السدرة واللوزة والنخلة إلى مكملات طبيعية لكل منزل، وتحديداً اللوزة التي في منتصف الحوش والتي تجري تحتها أحداث النهار كلها ، ويالها من أحداث.
صغارنا اليوم لا علاقة لهم بالزراعة ، لا أحد يعلمهم أبجديات الزراعة، لا مدرسة العلوم ولا الأمهات المشغولات بالدوام وشؤون البيت والتسوق، نحن تعلمنا معنى اللون الأخضر، وكيف ينبت الزرع، كما تفتح وعينا على دهشة انفجار الحياة من ثنايا حبة الشعير ورأس البصل الجاف عندما كانت مدرسة العلوم تطلب منا أن نضع قطناً في صحن صغير ونرش عليه حبات الشعير أو نضع في كأس شفاف رأٍس بصل كي نتابع عملية الخلق بقدرة الخالق ونعشق اللون الأخضر وبهجة الزراعة .
سؤال منطقي تفضلت بطرحه الأخت القارئة وهو جدير بأن يحيلنا إلى مناقشة بل ومحاكمة لهذا السلوك المتبع داخل المدارس والأسر كذلك: لماذا تكون مكافئة الأطفال في مجتمعنا دائماً الذهاب إلى مطعم الوجبات السريعة ، أو شراء الألعاب فقط ؟ لماذا لا تكون المكافئة هي مشاركة الطفل في زراعة نبتة أو شجرة في فناء المدرسة في حديقة المنزل ؟ أو حتى في حديقة الحي ضمن برنامج بيئي بالتعاون مع بلدية المدينة مثلا ؟
تحتاج الحياة لأن نعطيها بقدر ما نأخذ منها ، تلك حقيقة يجب أن نعلمها الصغار ولكن بشكل عملي ومبسط إذا أردنا أن ننتقل بهم من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج والعمل .. فالحياة تربية ، والمجتمعات لا تصير متحضرة من فراغ أنها تتعلم وتتربى وتربي أجيالها على احترام قيمة الحياة والإنتاج منذ الصغر .


ayya-222@hotmail.com