صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

يجري في الليل

في الليل، وعند واجهات المطاعم والمواقف التي نقابلها، تذكرك تصرفات المتزاحمين وكأن حرباً عالمية جديدة على أبواب القارات الخمس، فالسيارات متراصة كأحجار بركانية عند سفح جبل، والناس يدلقون رؤوسهم من نوافذ هذه السيارات، والصراخ يخرج من أفواههم كهدير موج أحمق، وأبواق السيارات تضج بالمكان وتملؤه صخباً ورهباً، ولا أحد يسمع لأحد، ولا أحد يلتفت الى أحد، فالجباه مغضنة، والحواجب مسفوفة كجريد أعجف، والوجوه شاحبة، مقطبة، غاضبة· لا ندري لِمَ كل هذا اللهاث، ولماذا كل هذا الجوع العاطفي لطعام لو وزع على أمة الصين ستقول اكتفيت·· لكن الناس هنا مهرولون، دائماً عصبيون، غاضبون، ملهوفون، مشغوفون، ظامئون·· صراع ليس من أجل البقاء، وإنما هو صراع من أجل استباق الآخر، ونزع الوجبة من يد النادل، والهروب والشعور بتحقيق انتصار مؤزر على آخرين، لا يزالون في آخر الطابور، ينتظرون ويحملقون، وينفثون دخان السجائر قلقاً وضجراً· في الليل يحصل هذا وأصحاب المطاعم يتلذذون بهذه المظاهرة من أجل طعام يملأ الجهات الأربع، أصحاب المطاعم وحدهم الذين يشعرون بالغبطة، لأن مهنتهم تملأ الجيوب بالدراهم، لأن مطاعمهم تأتي بالصغير والكبير، والكل صاغراً، ضارعاً يبحث عن سبق دون غيره، ليعود بالزاد المنفوح بالثوم، وحدهم أصحاب المطاعم الذين لا يشعرون بهذا الحشر البشري، بل يرحبون به، ويقولون هل من مزيد·· لكنها هي في الحقيقة ظاهرة سلبية عندما يفقد الناس وعيهم بأهمية الالتزام بالأخلاق والآداب العامة، وعندما تغيب ثقافة احترام الآخر، ويصبح الخروج من البيت لتناول وجبة مريحة توفر طعاماً هنيئاً للأبناء هو ضرب من الخروج لمعترك أو صراع لا يخلو من خسائر فادحة للأعصاب والأخلاق والقيم الإنسانية· أمر مزرٍ أن تتحول الحياة الى مرارات وانكسارات وانحسار دائم للعادات والتقاليد، وتتحول العلاقات البشرية الى جملة من الأصوات النابية، والكلمات البذيئة، والصراخ والشتائم والسباب·· علاقات مخضوضة بتوتر وعصبية وانعدام للذوق والمذاق، وفقدان للحس الإنساني الرفيع· كلمات افتقدناها (تفضل - لو سمحت - عن إذنك) وأصبح المعجم اللغوي يعج بألفاظ ومصطلحات تسح عفونة وفظاظة وغلظة·· وعبارات يندى لها جبين الإنسان ولا يستطيع أن يقول إلا رحم الله أيام زمان·· فالإنسان ما كان يسير في طريق إلا فاسحاً لغيره الخطوة الأولى، وما كان يجلس في مجلس إلا ويحني الرأس لجليس سواه·· أما اليوم فالأشياء تبدو شحيحة، رغم توفرها لضيق الصدور وتعجرف القلوب، وبؤس النفوس·

الكاتب

أرشيف الكاتب

الطير والقمحة

قبل 10 ساعات

تنبؤات

قبل 23 ساعة

مطر.. مطر.. مطر

قبل يوم

ما تحت الخمار

قبل 3 أيام

نغمة

قبل 5 أيام

ناصية الضجيج

قبل 6 أيام

نخاصم فنصطدم

قبل أسبوع
كتاب وآراء