صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

آسف للتأخير··

لو تيسرت لك مراقبة امرأة لا تملك سيارة، وواقفة أمام المول تنتظر صديقتها المتأخرة عن موعدها، وكان هاتفها طوال تلك الفترة مشغولاً، وهي التي أصرت عليها أن ترافقها في التبضع، وطال الوقت، وهذه تغلي لوحدها وتحت عباءتها، وصبرت أنت قليلاً، تستجلي المشهد، فستسمع أولاً نعتها بـ''الخبلة'' وسيتطور السب، كلما طال الوقت، بعدها ستنشر عرضها، وستعرف قصتها كاملة، وأنها مطلقة، وفاتورة هاتفها فوق الألفين كل شهر، وأنها لم ترزق أطفالاً من مطلقها، وربما كان هذا سبب الطلاق، وأن ملابسها عادة ما تشتريها في مواسم التنزيلات، وشنطها ''لوي فيتون'' ليست أصلية، إنما وصت عليها صديقتها التي سافرت قبل مدة لعلاج أمها في بانكوك، وإن كنت من الفضوليين، فستتمنى أن تتأخر صديقتها أكثر وأكثر، لتعرف قصة من لا تعرفها· أما الرجل إذا تأخر عن موعده مع امرأة، فأول شيء ستعتقد - خاصة إذا ما كان هاتفه مغلقاً- أن هناك مشروع خيانة أو حبسته امرأة أخرى والتي بالتأكيد ستبغضها قبل أن تعرفها، ثم تلقي بكلمتها الفاصلة: ''خليه يولي·· ما يستاهلني هالغبي'' وسيفتر جانب من شق فمها استهزاء، لتظهر تقويم الأسنان الذي مضت عليه ستة أشهر· أما إن كان الموعد بين رجل ورجل آخر، فأول ما يتبادر إلى ذهن الصديق المنتظر، أن تأخر صديقه من أجل موعد أنثوي حتماً، وأنه ضحى به كرماً لعيون ناعسة، كحيلة، وإن زاد في التأخير واعتذر لأسباب، فدرجة تصديقه لصديقه المتأخر لن تزيد على 30 في المائة، وإن لم يعتذر هذا الصديق المتأخر، فسيقول كلمته الأخيرة: ''طبّه·· الشرهة مب عليه هالخمام''· المواعيد في أوروبا رغم المشقات التي يصادفها الإنسان من أجلها، إلا أنه أكثر حرصاً عليها، ويأتي قبل الموعد ليكون في الموعد، عندنا مساحة الضمير متسعة، والوقت مطاط، والتبريرات موجودة، والمسامح كريم· أكثر الناس لؤماً، الذي يواعدك عقب صلاة العصر أو المغرب، فيربك توقيتك الشمسي، وتظل معلقاً لا تدري هل صاحبك ذو التوقيت القمري، بعد صلاة الفرض يتسنّن، ويزيد من النوافل، أم يسبّح كثيراً، أو يستغفر طويلاً؟! بعض الأصدقاء تطلب منه أن يحدد الموعد بنفسه، ومع ذلك يتأخر، بعضهم أصبحت عادة التأخير صفة ملاصقة له، ودائماً هناك ثمة عذر حلّ طارئاً أو بشكل مفاجئ، الغريب أن العرب حينما يواعدون الأجانب يحرصون على الوقت، رغم أن الأجنبي يعرف العربي ويعمل حساب التأخير· الأميركي أو الإنجليزي حينما تتأخر عليه، يعتذر لك عن تأخيرك، لكنه لا يقابلك عناداً فيك، أما الإيطالي والإسباني فالأمور متشابهة مع الأخوة العرب، فالإيطالي إما قصير ونصاب، وإما وسيم ولعيب ''كتشبان'' أو الثلاث ورقات، أما الإسباني ''رأس التورو'' فسيغضب عليك، ويلومك إن أبصر عتباً في عينك، لكنهما - الإيطالي والأسباني- ظرفاء، وطيبون، وسيعتذرون فقط، لأن الوقت الذي كنتم ستقضونه مع بعض سيقل· الأفارقة ليست عندي تجربة معهم في حقيقة الأمر، لكن يقال عنهم: أنهم لا يحملون ساعات في رسغ أياديهم· تصرفات الناس في لحظات التأخير التي قد تطول، تختلف من واحد لآخر، لكن دقائق الانتظار دائماً ما يصحبها قلق وتوتر وارتفاع نسبة الادرينالين· ورغم أن كل الناس عرضة للتأخر عن الموعد ولهم أعذارهم، لكن كل الناس لا يتأخرون عن موعدهم الأول، لأنهم يقدمون الموعد على الأعذار·· وأعتذر عن التطويل، لا عن التأخير·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء