صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

مزهريات!

مزهرية كريستال كبيرة تشبه الجدة فيكتوريا في جلستها الارستقراطية أمام النافذة العالية، تتناغم مع الورود بألوانها المتلألئة، تضفي على المكان بعضاً من هيبة العمات المسنات، واللائي بمثابة الجدة الأم! مزهرية كانت في الأساس قنينة ماء بلاستيكية، ولما جف ماؤها المقطر، رميت للشمس، تغربت طويلاً حتى استقرت بنصفها السفلي على نافذة مقترحة، تضمد نبتة توحي بأنها لن تعيش طويلاً، بدأت تعتاد على ماء السبيل، شكلها يوحي بالمؤقت دائماً، فطوال الوقت لم تتعامل إلا مع يد ذكورية خشنة! مزهرية من زجاج رخيص من التي تباع عادة مع أشياء كثيرة، وفي محل يزدحم بأشياء غير متجانسة، تستقر على طاولة في شقة بدأت تضيق بالمتزوجين حديثاً في الغربة، تظل فارغة، ولا يأبه بها، إلا إذا كانت بمناسبة خروج الزوجة سالمة من ولادة تكاد تتكرر كل حولين كاملين! مزهرية تستعمل لأكثر من حاجة، “جاك” ماء مثلاً، وعاء لعصير محلى في رمضان أو لعصير برتقال غير مستساغ بمناسبة زيارة أقارب غير مرحب بهم! مزهرية طويلة كراقصة باليه واعدة، تمكث جنب شباك مراهقة تستهويها الأشياء العصرية، تشعرك بلمعتها الزجاجية، والوردة التي تحملها، وكأنها عاملة في السوق الحرة أو مضيفة طيران راق تعمل على الخطوط الطويلة! مزهرية مشجرة بورود وألوان، تشبه غانية في ملهى رخيص، وحين تملأ بورود لا يعتنى بها بشكل يومي، ولا تتغذى على السكر والأسبرين حتى تذبل بسرعة متناهية، تبدو حينها كفتاة ليل بكت طويلاً حتى غابت العيون في الكحل! مزهرية فندقية تشعرك بالنظافة دائماً، وأنها محبوبة من الجميع، وخاصة الغرباء الذين يمكثون ليلتين في المدينة والليلة الثالثة مجاناً، صديقتها الحميمية فلبينية تحنو عليها كثيراً، وتلاطفها كثيراً، وكأنها زميلتها في السكن! مزهرية تجالس عازفة البيانو في البهو الفندقي، تشعرانك أنهما أختان من أم واحد، وأبوان لم يمكثا طويلاً، وفرا من عش الزوجية شبيه “تانكي” الماء الخالي! مزهرية على طاولة في الدرجة الأولى، لا يهتم الركاب بها، ولا يجسرون تقديمها لمضيفة وضعتها كجزء من واجب عملها واعتادت الابتسام للجالسين في تلك المقصورات، تشعرك أنها مسافرة محطتها غير بعيدة! مزهرية في مكاتب قاسية وعدائية، تشعر بالرهبة فيها، لا ترتاح إلا على مكتب السكرتيرية الأنيق، وحين تأخذ بعضاً من عطرها المنتقى بعناية فائقة! مزهرية متهدلة كزهرة لا تنبت إلا بقرب المعابد، فيها زهر بنفسج، وورد توليب مشاغب، معتنى بها وكأنها لحبيب غائب أو هو حبيس الحكايات لامرأة اعتادت الانتظار، ولم تتعب أبداً!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء