ظلت السينما في الإمارات وحتى عهد قريب، بعيدة عن أذهان المثقفين كمجال اختصاص وميدان عمل لأسباب موضوعية وأخرى لها علاقة بالذهنية الاجتماعية السائدة وبنظرة المجتمع، وبمتطلبات الصناعة نفسها، وعليه فلم نجد من شباب الإمارات من يقبل على هذا الفن إلا القليلون الذين استولى عليهم حب هذا الفن إلى درجة جعلتهم لا يبالون بالمعوقات وبالصعوبات ولا يلقون بالا لأسئلة التحدي والمصير والعاقبة وغير ذلك !!
لم يكن إقامة مهرجان للسينما في الإمارات ولسنوات قريبة جدا أمرا ممكنا أو متخيلا وحتى لأكثر المتفائلين بالتغيير والتطور، السينما التي أتحدث عنها ليست سينما العنف والجريمة والفساد والعري والخروج على المألوف، فهناك سينما أخرى، راقية جدا ونظيفة جدا وذات رسالة ومضامين قيِّمة، السينما التي تحفر في الواقع لتعريه وتصلحه، السينما الوثائقية، سينما السرد والسير الذاتية، سينما التاريخ، السينما الواقعية .....الخ ، هذه السينما لم تسنح الظروف لكثيرين منا –ربما- كي يقتربوا من أفكارها وموضوعاتها وهي سينما عظيمة بالفعل.
حينما أقيمت مهرجانات السينما في دبي وأبوظبي، ولأكثر من دورة حتى الآن، بزغت أسماء شباب إماراتيين وقفوا على منصات التتويج واستحقوا جوائز حقيقية في مجال قيل لهم كثيرا “ابتعدوا عنه فهو ليس من تقاليدكم ولا من ثقافتكم ولن تحققوا فيه شيئا” ، وكالعادة انهالت المعاول هدما في القلوب الغضة، لأن البعض ليس أصعب عليه من أن ينال ابن الإمارات تفوقا في مجال ما، للأسف بعض هؤلاء – من غير المواطنين طبعا - يندس في عمق هذه المهرجانات محاولا عرقلة أحلام الشباب بكل قدرته.
من حسن الحظ أن شبابنا أوتي ذكاء فطريا كما أوتي الكثير من المواهب الابداعية التي تثبت لأعداء التميز الإماراتي وبشكل يومي أنهم ليسوا كما يروج عنهم وكما يرسم لهم البعض تلك الصورة النمطية على أنهم بعيدون عن حقل الإبداع، متواكلون، ومتسرعون واستهلاكيون ... ومن هؤلاء الشباب المخرج خالد المحمود والكاتب محمد حسن أحمد اللذين تم اختيار فيلمهما “سبيل” في المسابقة الرسمية بمهرجان برلين السينمائي الدولي، ليكون بذلك أول فيلم في منطقة الخليج يشارك بأكبر المهرجانات السينمائية في العالم في شهر فبراير المقبل.
كتب عن الفيلم أنه حصد عدة حوائز كأفضل سيناريو في الخليج السينمائي وجائزة أفضل فيلم بمهرجان نيويورك للفيلم الأوروآسيوي والجائزة الثانية بمهرجان دبي السينمائي بمسابقة المهر الإماراتي، وشارك الفيلم في المسابقة الرسمية بمهرجان لوكارنو السينمائي الذي يعد من المهرجانات العريقة في العالم، وسيمثل الفيلم اسم دولة الإمارات في المسابقة الرسمية لتقف الإمارات بقوة في مصاف كبريات الدول في مجال سبقتها تلك الدول إليه بعقود طويلة، لكن إرادة الشباب كبيرة دائما كما هي الإمارات كبيرة أبدا.
يعتبر الفيلم أول إنجاز عالمي لفيلم إماراتي، وعليه فإن الإشارة لهذا الإنجاز تأتي كجزء من حالة الانتباه لبعض الإنجازات التي يعمل فريق الفيلم من أجلها لسنوات طويلة وبصمت، إن هذه الإنجازات الكبيرة لا تحتاج من أحد اليوم سوى الوقوف معها ومساندتها، خاصة الجهات المعنية بأمر الثقافة والشباب، وسيكون رائعا ومحل تقدير عظيم من قبل الشباب إذا مدت سفارة الدولة في برلين يدها لهم بالحضور إلى المهرجان الأهم في العالم والاحتفاء بهؤلاء الشباب، كما سيكون جميلا وفاعلا لو أن شركات الطيران المحلية، ووزارة الثقافة فعلت الأمر نفسه ولا نظنهم سيقصِّرون أبدا.


ayya-222@hotmail.com