تحتفظ المطارات دائماً بالكثير من الصور الجميلة والحزينة، تحتفظ بمشاعر البعد ومشاعر القرب، بالابتسامات والدموع، في لحظات استقبال ووداع الأقرباء والأصدقاء والأبناء والزوجات والحبيبات. وهي الموانئ كذلك فيها من تلك المشاعر الكثير.. فبوابات المغادرين تتسع وتكثر في المنافذ العديدة والمختلفة للعبور في شتى مناطق الكرة الأرضية، حيث يحمل المغادرون دائما فرصة الرؤية الجديدة، فرصة الاكتشاف والتحديق في مشاهد مختلفة وتنفس هواء جديد، لديهم حظ أن يتوهوا وان يكتشفوا أنفسهم، أن يعودوا إلى بلدانهم من جديد، أن يلتقوا بتفاصيل حياتهم حيث التكون والمنشأ الأول لطفولتهم وتفتق معارفهم، المغادرون يحملون دائما بشيء من التعاطف ومن الشوق والبهجة. الجميع مروا من بوابات المغادرين، بوابات مادية وبوابات معنوية، بوابات الخروج من سفر إلى سفر، وبوابات الخروج من حياة إلى حياة، خرجوا من بيوتهم الأولى، من ساحات الرمل، من حميمية الأهل وصدق المشاعر ودفء البيوت القديمة ورحابة القلوب التي ضمتهم بحب وخوف وحنو، وأمنيات كبيرة أن يحفظهم الرب وأن يكون مستقبلهم مشرقاً، غادروا آثار خطواتهم على الرمل، صراخهم ومشاغباتهم الكثيرة، دلفوا من بوابة مغادرة تلتها بوابات وبوابات، حيث الثبات ثقل لا تملك الروح طاقة لتحمله. ??? يغادر العاشق حين ينكسر قلبه، ينكفئ بعيداً، يفتش عن خلاص في معنى وجوده، يحمل مشاعره المحطمة، يلملم وجع قلبه ويغادر، علّ الشمس تشرق على جبهته وتفتح باب الخلاص ويطير، يغتسل برذاذ الغيم ويجدد النفس برائحة أشجار تناديه كي يدلف إلى الضوء. في الحياة يغادرنا أحبة وأصدقاء، يمضون في دروبها بحثا عن حلم أو تحقيق حلم، تأخذهم الأيام في انشغالات لا تتوقف أو تنتهي، وفي كل هذا الطريق تسقط أحيانا أياما منهم ومنا، تتبخر ولا يقدر حتى النسيم الذي يسرح بيننا أن يعيدها أو يرحم القلوب من شدة القسوة. مغادرون دائما في المستقبل، هكذا حين يمر الزمن قاطعاً مسافة بين الحاضر والماضي ليشكل فعل المغادرة الإلزامي أو الجبري، مغادرة من حال إلى حال، مغادرة من عمر إلى عمر، مغادرة من زمن إلى زمن، حيث يترسخ فعل المغادرة دائما وأبدا في حياتنا، ودون أن ندري نكتشف بأننا قد قطعنا شوطاً طويلًا في الركض وتكرار المغادرة على أصابع بيانو الزمن الذي يعزف لحنا يفرح في حال ويبكي العين ويجرح القلب في حال آخر، فعند لحظة من مسيرة الزمن الذي عدونا فيه، ننتبه بأن أشياء كثيرة قد سقطت منا وأن أروحنا الجميلة التي اعتقدنا ما زالت ترافقنا قد أمست بعيدة عنا، وما عدنا نقدر على ترك باب الروح مشرعاً. مغادرون، ولعلّنا ننتبه بأن آخر المشوار هو الصمت الأبدي.. حيث المقابر هي أكبر دروس الصمت التي تُعلمنا أن الوحدة هي الخيار الأخير، إنها بوابة المغادرة الأخيرة إلى السكينة، فمع تكرار تأمل مغادرة الأجساد الصامتة إلى الأبد، وفعل مغادرتها وأنت تحدق خلفك تاركاً جسداً في قاع الأرض يرقد بسلام، تدرك أن لا شيء على الإطلاق يوقف فعل المغادرة في الحياة، حيث ستبقى البوابات مشرعة للمغادرين من الولادة ومن القلوب، من المشاعر ومن الحياة. saad.alhabshi@admedia.ae