متى يتخلص الفكر العربي من العقد التي تحاصره؟ ومتى يتعامل العربي مع عقله بما يليق بهذا العضو الذي كرم به الله بني آدم عن غيرهم من المخلوقات؟ ومتى ندرب أنفسنا على التفكير وندرب العقل على النقد الموضوعي والنظر إلى الأمور بعقلانية بعيداً عن العواطف التي أغرقتنا منذ آلاف السنين في قصص عنترة وسيف بن ذي يزن وأبو زيد الهلالي، وهي تلك القصص التي حفظناها عن ظهر قلب دون أن نتدبر معانيها؟
متى يتخلص العقل العربي من أسمال بعض التقاليد البالية؟ ومتى تصل جرأة العقل العربي بحيث يرد النتائج إلى أسبابها دون اللجوء الى الدجل والشعوذة؟ فقد كنت منذ يومين في زيارة لأحد الأصدقاء، وكان يشكو من صداع في رأسه وعلى الرغم من أننا لم نلتق منذ شهور إلا أن معظم الوقت ذهب في سوالف لا علاقة لها بالعلم أو العقل أو الدين، فالرجل وعلى الرغم من ثقافته العالية ومنصبه المرموق فتح كف يده في زيارة منذ سنوات إلى تايلاند أمام عرافة عجوز وقرأت له الكف، وكأنها تعيش في بيته بل تكاد تكون في غرفة نومه وأخذت تحكي له لدرجة دفعته لأن يضع يده فوق فمها حتى لا تكمل بقية القصص أمام مرافقيه·ومنذ ذلك اليوم والرجل رهن حياته كلها للعرّافين فإذا كان في طريقه للدوام وواجهته مشكلة في الطريق غلبه التشاؤم وأدار سيارته ريوس ورجع الى البيت ثانية، وإذا كان في طريقه الى سفر وضربه صداع بسيط سارع بتغيير موعد السفر، أو اعتذر عن لقاء شخص مهم·
وقديماً كان بعض السياسيين العرب يستعينون بقراء الكف وضاربي الودع لمعرفة آلية مواجهة اسرائيل عسكرياً بل والتكهن بالعتاد الحربي الذي تملكه إسرائيل في ذلك الوقت·
وفي الوقت الذي نرهن فيه حياتنا للسحر ة والمشعوذين يرهن غيرنا حياته في سبيل العلم والتقدم والنهضة ، وفي الوقت الذي يتعثر فيه العقل العربي ويخرج من محنة ليدخل في محن أخرى أكثر منها في هذا الوقت وغيره من أوقات التخلف الفكري العربي نجد جيراننا في الغرب والشرق يتألقون ويبدعون ليس في أميركا وبريطانيا واليابان فحسب بل في سنغافورة وتايلاند وماليزيا والهند وجنوب افريقيا وغيرها من دول العالم وشعوبها·
في الوقت الذي لا تزال فيه مدارسنا فقيرة من التجهيزات والوسائط التعليمية المتطورة، وفقيرة في المعلم المبدع· في هذا الوقت الذي تاهت فيه البوصلة العربية وسط غمار بحار التخلف الفكري نجد غيرنا ينفض عن نفسه غبار قرون من التخلف ويكافح للوصول بمجتمعه الى التقدم والازدهار، والتقدم لا يكون في عمارة الحجر كما يتصور البعض بل ان التقدم الحقيقي في عمارة البشر·
وما دام بعضنا سيظل يرهن مستقبله لقراء الكف وضاربي الودع وأصحاب الورق الأصفر والأحبار السوداء الممزوجة بالعنبر والزعفران، والمغلفة بطلاسم لغة لا أحد يعرفها، ولا أحد يفهمها، ما دام هذا البعض موجوداً وما دامت لديه قناعات راسخة بأنه على حق في احتضانه لبراثن الجهل والتخلف الفكري فإن الأمة العربية ستظل بعيدة عن الركب، وسيظل المواطن العربي رهيناً لمحبسين أحدهما عقله، والثاني عقول من يوجهونه من فقراء الفكر، وممثلي فقر الفكر·
العرب ومنذ فجر التاريخ يمثلون الحضارة والإبداع، ويقدمون للإنسانية خلاصة قيمهم الأصيلة، وهي قيم الكرم والإخاء ونجدة المحتاج وإغاثة الملهوف، ورد الظلم ونصرة المظلوم، هؤلاء هم العرب، وهذه هي قيمهم التي يجب أن يقدمها العقل العربي للعالم، وذلك بدلاً من تلك الصور المشوهة التي يحرص بعض العرب على إلصاق أنفسهم بها، ويدفعون بها بكل قوة باعتبارها نموذجاً عربياً أصيلاً·