منذ أن بدأت أسمع وأقرأ عن أولئك الناس الذين تهبط عليهم الثروة بشكل مفاجئ عن طريق ما يسمى باليانصيب أو المسابقات التلفزيونية وأنا أتساءل: كيف تنقلب حياة هؤلاء بعد أن يتحولوا إلى أغنياء بين ليلة وضحاها؟ لقد كنا نقرأ تلك الأخبار في صحف غربية أو منقولة عن وكالات أجنبية باعتبارها حوادث تحصل في أوروبا وأميركا، على اعتبار أن أميركا بلد الأحلام، لكننا اليوم نتابعها يومياً تحدث عندنا هنا في سحوبات المهرجانات التجارية أو بعض السحوبات التي تجريها بعض القنوات التلفزيوينة أو المطارات أو....
أؤمن بالحظ، وأصدق ذلك المثل الذي يقول أعطيني حظاً وارميني في البحر، ولقد عرفت والتقيت وسمعت عن كثيرين ممن غير الحظ حياتهم، أو كان كظلهم بالرغم من أنهم لم يبذلوا الكثير لينالوا ما نالوه من ثراء وشهرة ونفوذ، في حين بذل غيرهم حتى دمه لكنه لم ينل شيئاً، وبالتأكيد فإن حكمة الله فوق كل شيء لكن الحظ أحد ملامح تلك الحكمة.
ورغم هذا الإيمان، فإنني أتساءل عن أحوال هؤلاء الذين تهبط عليهم الثروة من السماء، لأنني أجد في انقلاب أحوالهم تجربة إنسانية شديدة الكثافة والإنسانية، خاصة حين يتعرض لها أناس فقراء يجدون أنفسهم وبشكل مفاجئ وقد امتلكوا مليوني درهم - مثلاً ـ أو سيارة بنتلي بسعر خيالي لم يحلموا يوماً بمشاهدته على الطبيعة، أو كيلوجرام ذهب ـ وليس كيلوجرام بطاطا - أو أكثر من ذلك بكثير أحياناً.
في دول كأميركا وبريطانيا تصل جوائز اليانصيب إلى ملايين الدولارات أو الجنيهات، وهي جوائز حقيقية تسلم لأصحابها وفق جدول زمني محدد بعد خصم قيمة الضرائب، وقد كنت أحضر مؤتمراً في بيروت ذات يوم فحدثتني صحفية يمنية عن سيدة فقيرة تعرفها في اليمن، تلقت نبأ فوزها في يانصيب كانت قد اشتركت فيه في أستراليا، وبأن قيمة الجائزة كانت عدة ملايين من الدولارات وأن هذه السيدة ظلت في حالة انهيار لمدة ثلاثة أيام.
قرأت مرة تقريراً حول هذا الموضوع جاء في صحيفة (لوس أنجلوس) يدعو إلى الشفقة على الفقراء الذين يتحولون إلى أغنياء بين ليلة وضحاها، لكن لماذا الشفقة على شخص يتخلص من الفقر ويدخل عالم الثراء المريح؟ علماء النفس يقولون إن هؤلاء الناس يعانون بعد هبوط الثروة عليهم بغير استعداد من مرض يطلقون عليه (اكتئاب الثروة المفاجئة)! وأنا متأكدة أن من يقرأ هذا الكلام ممن يتمنون حظاً شبيهاً بحظ هؤلاء سوف يضحكون ساخرين متهمين الأطباء بالخبل، والفقراء بالهبل لأنهم ليسوا (وجه نعمة)!!
الذين درسوا حالات مشابهة يقولون إن هؤلاء ينتابهم شعور بالكآبة والبعد عن الناس وعدم الثقة بالأصدقاء والبخل الشديد خوفاً على الثروة، أو الإنفاق الشديد تعويضاً لأيام الحرمان! بمعنى عدم القدرة على التكيف مع الوضع الجديد، حيث افترق أكثر من زوجين بسبب حصول أحدهما على الثروة، وتفككت علاقات صداقة وشراكة عديدة، أحد الأطباء النفسيين يقول: ما يحدث لهؤلاء ليس بسبب المال، بل بسبب التغيير الذي يقلب نمط الحياة رأساً على عقب.
وفي حين يقرر أغلبهم ترك العمل للتمتع بالثروة، فإنهم يقعون فريسة سهلة للاكتئاب، فأغلب الذين حصلوا على الثروة قالوا إنهم حصلوا على كل ما كانوا يتمنونه، لكنهم افتقدوا الشعور بالرضا والسعادة.



ayya-222@hotmail.com