هرباً من الاضطهاد الديني الذي اجتاح أوروبا وكثيراً من مناطق العالم وتحديداً في بدايات القرن الثامن عشر هاجرت طائفة تدعى «الآمش» إلى القارة الجديدة «أميركا» يحملون معتقداتهم المختلفة عن الطوائف المسيحية الكبرى وتعاليمهم التي قوبلت بالتكفير من طوائف الكاثوليك والبروتستانت . من ولاية بنسلفانيا بدأ تاريخهم الجديد في الولايات المتحدة التي لم تكن تشكلت ككيان حينها ولم تعلن استقلالها عن بريطانيا العظمى وتنتظرها حرباً أهلية دموية عاصفة وصراع سياسي ديني طبقي ما بين عامي (1861-1865) سيدفع ثمنه الكثير من الأبرياء من السكان الأصليين والمهاجرين وقدر عدد القتلى حينها برقم يفوق النصف مليون قتيل هذا من دون رقم الضحايا والأبرياء المجهول عددهم. كانت الحرب الأكثر دموية في تاريخهم ومن نتائجها تشكل الوعي والهوية الأميركية لتأخذ دورها مستقبلاً وتصبح دولة عظمى في السنين القادمة. هذه هي الحرب نهايتها محسومة ومتوقعة مهما كانت أسبابها ومعروف مسبقاً من سيدفع ثمنها، إنه التاريخ يعيد نفسه ويكرر أحداثه في كل مناطق العالم ويقول بصوت مرتفع أقرؤا صفحاتي. تقريبا في الوقت نفسه من ذلك القرن بدأت الهجرات العربية المسيحية إلى القارة الجديدة خوفاً وهرباً حسب الروايات من الاضطهاد الديني والاستبداد السياسي المتمثل في الدولة العثمانية التي كانت مسيطرة على أجزاء كبيرة من الوطن العربي، ومن سوريا وجبال لبنان بدأت الهجرات إلى العالم الجديد. الهجرات العربية المنتظمة للعالم الجديد بدأت منذ مئات السنين ووجودهم يسبق وجود كثير من الشعوب التي هاجرت لاحقاً والكثير منهم حافظوا على تاريخهم وفي نفس الوقت أصبحوا جزءاً من النسيج الأميركي لتقارب ديانتهم وأشكالهم. هاجر الكثير من البشر وأيضا الجماد! إلى هذه القارة المكتشفة حديثاً، فهذا هو تمثال الحرية يشق طريقة من أوروبا وتحديداً من فرنسا إلى خليج نيويورك حيث قدم كهدية للأميركيين بمناسبة الذكرى المئوية للثورة الأميركية والغريب أن التمثال نفسه تم رفضه من قبل الخديوي إسماعيل حاكم مصر لأسباب اقتصادية ولو تم قبول الهدية الفرنسية لكان قدر هذا التمثال أن يقف شامخاً حاملاً مشعل الحرية في مدخل قناة السويس، لكنها الحرية تعرف أكثر منا أين تذهب! هناك ملايين من البشر يهربون ويحلمون بغد أفضل، يجمعهم الحلم والسلام وتأبى السياسة والواقع ألا تعطيها للحالمين بسهولة! هذا وتقدر منظمة الهجرة الدولية عدد المهاجرين في العالم برقم يفوق المائتين مليون وبزيادة ملحوظة تقارب المائة مليون عما كان عليه قبل عشر سنوات، أفواج من البشر ضاقت بهم السبل يبحثون عن وطن، عن أمل هناك من يبحث عن وطن وحلم جديد وهناك من يشتم أوطاناً بالليل ويقف أمام سفارتهم بالنهار وهناك من يهرب من وطنه يبحث عن بديل! اختلفت الأسباب وتعددت الآراء ويبقى الوطن ذلك الحلم الجميل فيك يسافر معك وتسافر معه، لا تستطيع منه الهروب وأين المفر وهو يسكن فيك! كل هذه الخواطر و الأفكار مرت ببالي وأنا على مقعدي في الطائرة! بقى نصف ساعة قبل الوصول، قالها قائد الطائرة بفخر قلت لصاحبي كم نحن محظوظون بهذا الوطن جمال الشحي | jamal.alshehhi@gmail.com