كيف يمكن أن نصنع الحب.. بالقلب وحده لا يكفي أن نؤسس جمهورية العاطفة المثلى.. لا بد من عقل يزن ويثمن ويقنن، ويمنع المحن العاطفية التي تنشأ من قلوب مهمشة بالمشاعر العصبية، والعبثية، والعدمية. فالحب الذي يوغل في التعلق يؤدي إلى استعباد واستبداد، واضطهاد، وارتداد ذاتي إلى مراحل طفولية بائدة، ما يجعل الإنسان يعيش حالة من العفوية المريضة والمندفعة باتجاه قرارات ذاتية كارثية. بالعقل يستطيع الإنسان أن يلجم وأن يفطم طفولة جامحة، ويدفعها إلى طرق السواء، واختيار الوجهات النظرية السليمة، المدعومة بموازين وقوانين، لا تكر ولا تفر ولا تتحدى قوانين الطبيعة، التي جبلت على الثوابت والنظم الكونية الأبدية. العاشقون المكتوون بدوافع القلب، ينجرفون نحو الهاويات ويغوصون في براثن الإثم والرذيلة والجريمة النكراء. فلا نجد عقيدة تخرج من شرنقة العواطف الجيّاشة، إلا ونجد معها حرباً دموية ضد الذات والآخر، ولا نجد فكرة تنبت من أعشاب شوكية، إلا وأدمت القلوب وخرّبت الدروب، وأشعلت الخطوب، ودمّرت وما أثمرت غير العلقم والحنظل. هنا نحن نعيش الآن المشهد الإنساني يغط في سبات الغفلة العقلية، وينبثق عن أحشاء تورمت بالعواطف الحمقى، الأمر الذي يجعل الإنسان يمضي كالأعمى، دون هدي أو عصا تدله على طريق السواء. إنسان اليوم، خرج من حومة الذات المحتقنة، فانبرى كائناً وحشياً هائجاً مائجاً، ذاهباً في المعنى الإنساني إلى صراعات مريرة، أكلت الأخضر واليابس، وأطاحت المثل الإنسانية، كما يطيح السيل الضرع والزرع. لست متشائماً ولكن المشهد مأساوي، والمسرحية الهزلية أصبحت تراجيديا سوداء، مغرقة في العدم، فالقتل أصبح هواية، وسفك الدماء صار قضية أزلية، وإنهاك المشاعر الإنسانية بالجروح الدامية، قضى على كل ذرة أمل جاءت بها العصور المتفتحة، لأن اللا شعور المتخم بالأوزار والأدران، يقف عائقاً أمام كل خطوة نحو المستقبل المشرق. ما العمل.. نحتاج إلى فلسفة إنسانية جديدة، نحتاج إلى وعي بشري بأهمية الحياة وضرورتها، لكي تعمر الأرض، وتسقي أعشاب الحب، بالعقل المستنير وليس بالقلب المستطير. نحتاج إلى فكر جديد، يضع الإنسان أمام مسؤولياته الوطنية، والتزاماته الأخلاقية تجاه الآخر، والتخلص من عقدة الذات، والأنا الناهرة، النافرة والفاجرة، والسادرة، والغائرة في سجن الأنانية الفجّة المستميتة، من أجل الارتقاء على حساب الكل، وعلى حساب الآخر. نحتاج إلى مفكرين يُدللون ولا يُعللون، يُحللون ولا يُدجلون، نحتاج إليهم في أقرب زمن، قبل أن يصبح الإنسان بقايا ثمود وإرم ذات العماد. علي أبو الريش | ae88999@gmail.com