الذين يؤمنون بأن الحياة والدنيا كلها قائمة وقاعدة على المنطق والعقل ليسوا مخطئين أبداً، فالعقل مقدس جداً، ولا يمكن تصور سيرورة الحياة البشرية لو لم يكن هذا العقل، بعض الحضارات وصلت في تقييمها لقيمة العقل إلى درجة تقديسه، فكل شيء عند هذه الحضارات لا يكون خارج حدود العقل، وما لم يعترف به العقل أو يثبته فغير كائن بالمطلق لديهم. هؤلاء وصلوا إلى هذه النقطة نتيجة سير طويل في الزمن وفي التجربة والمعرفة، هذا لا يعني اعترافاً مطلقاً بما يؤمنون به، ولكنه تفسير موضوعي للتجربة الإنسانية التي نراها لدى الأمم ويحاول البعض تقليدها دون أن يمتلك ظروفها واشتراطاتها، لا شيء في هذه الحياة يحصل هكذا بالصدفة، فالأمم تمر بـ”خضات” ومراحل ومسيرة طويلة في بناء ومراجعة وتبدل المفاهيم والمعتقدات والإيمان أيضاً! نحن نعيش على كوكب صغير، بل وصغير أكثر مما يمكن أن نتصور، قياساً بحجم الكون واتساعه المرعب. نحن أقل من نقطة لا تكاد ترى على بياض صفحة الكون، ومع ذلك نتصارع ونتحارب ونتقاتل بالجسد وبالعقل، بالرصاصة وبالفكرة من أجل هدف واحد، أن يفني أحدنا الآخر اعتقاداً (غبياً) بأن أحدنا الأفضل والأقرب إلى الله والحقيقة والجنة، والآخر هو السيئ والأبعد عن النجاة والصواب والحقيقة. نحن نقيس ذلك بمقاييس ندعي أنها من عند الله، والله لم يمنحنا أي تفويض أو وكالة على الآخرين، منحنا مصابيح هداية، لكننا ألقيناها جانباً منذ زمن بعيد، وصرنا نفصل الصواب والخطأ كما يحلو لنا، وكأننا الوحيدون الموجودون أو كأننا الوحيدون المنذورون لحكم العالم وتسيير شؤون الكون. لدى المصريين مثل دقيق يشيرون فيه إلى طريقة الناس البسيطة في الاستدلال على الله أو على طريق الهداية، فيقولون لمن يريدون إقناعه بأي أمر (ربنا عرفوه بالعقل)، نعم لو لم يفكر الإنسان بعقله ولم لم يعمل هذا العقل بشكل صحيح ما كان استدل على آيات الله في الكون وفي نفسه أولاً، لكن الإنسان لا يمكنه استحضار العقل فقط في أي موقف، فهناك ما لا ينفع معه المنطق، فلو تمسك المخترعون والمكتشفون والحالمون وأصحاب المشروعات المستحيلة بالمنطق، لما وجدنا ما نحن عليه اليوم، إن المنطق الذي يجعل البعض يحصدون الأرواح ويهدمون المدن على رؤوس الناس ويزرعون الرعب والفتن لأن ذلك يحمي مصالحهم، هذا المنطق بائس وعقيم ولا يقود إلا للفناء، مع أنه منطق! وهناك من يضع رجلاً على رجل محاولاً إقناعك به، بادئاً حديثه بهذه العبارة (إن المنطق يقول ..... )! إن التفكير في الطيران، وغزو الفضاء، ومحاربة الجراثيم، والسفر في البحار، وبناء الأهرامات وناطحات السحاب، واختراع الأجهزة، وجس نبض الكون، والسفر عبر الزمن .. كلها وغيرها ضد المنطق، لكن الخيال والإيمان جعلها حقائق المنطق الكبرى! لا يأخذك العقل إلى كل مكان، وأحياناً قد يأخذك إلى ما لا تحمد عقباه إذا تجردت من إنسانيتك الكاملة، فالإنسان كما أنه خلق من قبضة من طين الأرض، فقد نفخ الله فيه من روحه أيضاً، ففيه من جلال الله نفحة قدسية عليه أن يتذكرها دوماً ليظل مرتفعاً عن حضيض الأرض، وليتسق عقله مع روحه وخياله ليكون الإنسان الذي أراده الله أهلاً لخلافته على الأرض، دون أن يسفك الدماء كما جاء في حديث الملائكة مع رب العزة! سيأخذك المنطق من النقطة (أ) إلى النقطة (ب)، أما الخيال فسيأخذك إلى أي مكان، كما يقول ألبرت آينشتاين. ربما علينا أن نلجأ للخيال أكثر هذه الأيام لنكسر قسوة المنطق! عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com