هناك أفراد، نعرفهم، نلتقيهم، وهم موجودون في كل مكان، يشاء القدر لحكمة ما أن يكونوا أبطالاً لمرحلة نعيشها ونشهد تجلياتها، حتى وإن بدوا بالنسبة للبعض أبطالاً مزورين أو مزيفين، فالزيف يمكن أن يكون سمة لمرحلة من مراحل أي مجتمع أو أية أمة، ولو تأملنا في كل التاريخ – لمن يحب أن يطالع ويعتبر من التاريخ – لوجدنا تلك النماذج التي تظهر فجأة من حيث لا يدري الناس لتتسيد المشهد، ولتلعب دور البطولة فتأمر وتنهى وتحظى بالقبول والرضا، من دون أن تعني البطولة هنا الشجاعة أوالنبل أوالبسالة، ولكنها بطولة المسرحية التي تجعل لبعض الممثلين أدواراً أكبر من حجمهم أحياناً! لا تتخيل أنهم يمتلكون عبقرية مفرطة، أبداً، ولا يمتلكون مؤهلات القيادة أو السيادة، فبعضهم يكمن في الأماكن الرطبة، متوارياً عن الأنظار حفاظاً على ما حصل عليه من مكاسب يعلم جيداً أنها ليست من حقه، وأن وجوده أو بروزه تحت الضوء قد يكشف زيفه ويسلبه تلك المكاسب، فيصير واحداً من عشاق الظل، لا عليه، طالما أنه سبقى محتفظاً بكل الصلاحيات من وجهة نظره، بعض هؤلاء إذا تسيدوا المشهد – أي مشهد – لابد أن يحيطوا أنفسهم بأشباه البشر، أو بمن هم على شاكلتهم، كي تستمر المسيرة بهم، ولو أننا نظرنا حولنا لوجدناهم في كل مكان! ليسوا أغبياء حتماً، لكن ذكاءهم مسخر لخدمة عملية وحيدة يجيدونها بحرفية، هي عملية التسلق، ليس تسلق المرتفعات والجبال، ولكن تسلق المواقف والأكتاف، وقديماً قالت العرب فلان (يعرف من أين تؤكل الكتف) وهؤلاء يعرفون من أين يأكلون، كالمنشار الذي إذا ارتفع أكل، وإذا هبط أكل من جذع الشجرة! فهؤلاء لا يعنيهم سقوط الشجرة، كما لا يعنيهم هلاك الغابة، تعنيهم قضية واحدة ووحيدة: مصالحهم الشخصية! وليس خطأ أو جريمة أن يهتم الإنسان بمصلحته أو أن يزاحم الناس بالمناكب ساعياً للتقدم، فهذا التدافع من سمات الحياة وبقاء الإنسانية حتى اليوم، لكن ما يزرع في القلب بعض الأسى أن يدافع من ليس أهلاً للمناصب أو السيادة، بينما يتخلف أو يبقى بعيداً ذلك الشخص الكفؤ لكنه متعال بطبيعته، وتلك ميزة وعيب في الوقت نفسه، لكنها الحياة تسلحنا بالكثير وتسلبنا الكثير أيضاً! بعض المؤسسات التي يتسيدها هؤلاء المتسلقون لا تجد فرداً فيها إلا ويشكو مستاء، والاستياء إذا طغى على الرضا رسم علامة استفهام، فالناس لا تشكو من فراغ ولا تتبرم بلا سبب، والسبب في الرأس، لأنه إذا صلح الرأس صلح كامل الجسد، وإذا فسد فسد الجسد كله، ولكن قبل الاستياء ماذا سنجد إذا تأملنا حال المؤسسة؟ سنجدها بلا شك ترزح تحت ضعف الإنتاج وتراجع مستوى الكفاءة والحرفية، لأن (البطل) مهتم أولاً وأخيراً بجمع أكبر قدر من المكاسب، بإلغاء المعارضين والخصوم، بالتخلص من الأفضل، وبالبحث عما وعمن يضمن بقاءه عبر شبكة علاقات ممتدة ومتجذرة في المحيط! في لحظة تغيير حاسمة وفي المراحل الانتقالية والملتبسة وسريعة التبدل، تبرز هذه الفقاعات، وتبقى محلقة في الفضاء، لكن التجربة أثبتت أن الفقاعات لا تبقى طويلاً! عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com