من ضرائب الفضول وعشق المعرفة والتعلم، أن تحس في لحظة ما أن أحداً يستدعيك، أو أن حالة تفرد جناحيها وذراعيها لتدعوك إلى الانضمام إلى شيء مجهول في الداخل، كأن تكون ماشياً وفجأة تنزلق إلى شارع فرعي بالذات، وليكن “سان ديديه” في باريس الثامنة، وتلحظ لافتة لبنك إسبانيا، فيرعاك الفضول وحب المعرفة وتقول: لأدخل وأرى لوحة الصرف المثبتة عليها عملات العالم، ولتتأكد كم بلغ صرف البيزتا؟- رغم أنه أمر لا يعنيك كثيراً- أو لتغتنم فرصة، تمتّع فيها عينيك برؤية وجه إسباني أنثوي، تلك الوجوه المكتحلة بجمال عربي رفيع، والتي تفتقدها كثيراً كما تفتقد الأنس، أو لمجرد مشاهدة الديكور الداخلي للبنك والذي يمكن أن يضيف شيئاً للذائقة والحس الجمالي لديك. ?كل تلك الأشياء في لحظة ما ستدعوك وتجبرك أن تدّق باب البنك الإسباني وتجول في صالته، ولأن الحظ أو الصدفة يأتيان معاكسين للإرادة والفرح الطفولي، يكون من نصيبك ذاك اليوم أن تسقط عجوز أمامك، فتسمع دويّاً ليناً سقط على القطعة الرخامية اللامعة، وكرد فعل طبيعي أن تَهبّ لتساعد حين تسمع الصرخة الإنسانية التي خرجت مع كثير من الأنين والألم الذي جعل المصرفيين الجامدين خلف شبابيكهم الزجاجية يقفون مرة واحدة كصف عسكري، كما أسرع بعض الزبائن لنجدة العجوز المستلقية في صالة البنك، وأول ما يرى الإنسان حالة كهذه أمامه، تجده يصاب بها أو “ينعدي” منها، فكدت أن أصاب بدوار ساعتها، وفقدت كل الكلمات التي أعرفها بالفرنسية، ولم أستطع أن أكوّن جملة واحدة مفيدة تساعد جثة العجوز التي ذهبت في إغماءة، لقد شعرت ساعتها، وكأني تلميذ خائب خذل مدرسيه ومدرسته ووالديه ومدير المنطقة التعليمية، وأمامه طريق طويل من اللوم. ?أحياناً بعض المفاجآت تشلّ الإنسان وتجعل عقله لا يفكر إذا ما أسعفته لغته الأم، وأحمد الله على أن هذا الموقف وقع في الثمانينيات، وإلا لو كان في وقتنا الراهن، لكانت العيون والأصابع تشير إليّ بفعل إجرامي أو إرهابي، خاصة أن النطق لم يسعفك كما لم تسعفك الحال. ?جاءت سيارة الإسعاف وفرقة قريبة من الدفاع المدني للإسعافات الأولية وحملوا العجوز بكمامات أوكسجين، دون أن يرافقها أحد، حتى الهمة العربية فضلت في تلك اللحظة أن لا تخرج، وترافق العجوز إلى المستشفى للاطمئنان والإدلاء بأقوالك والتعامل مع الحالة وكأنها خالتك أو عجوز من بلدك، لقد تصرفت كأي زبون جاء للبنك ليطلع على حساباته المجمدة، خرجت وجلست بثقلي على أول كرسي واجهني في مقهى على الرصيف، وظللت أتفكر في الحياة والناس الذين يسقطون كل يوم على جنباتها، وأحياناً بطريقة مجانية، كتلك العجوز التي ما زالت عيناها تسكنان الذاكرة، وهي تطبقهما بكسل، ثم تشخصان فجأة إليّ، ثم يتراخى الجفنان الهرمان كآخر انطفاءة قد تكون باردة!? ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com