الدوران حول الفكرة الواحدة، والاستبداد في الانتماء إليها، والقبول بها كمستعبد ومستبد، تحول الإنسان إلى كائن أعمى، لا يرى إلا نفسه، الأمر الذي يجعله يتوحش ويتفشى كالوباء والداء العضال، يفتك ويهتك وينتهك ويسفك، ويعيث في الأرض فساداً، واضطهاداً، واستعباداً، واستبداداً، ويدور حول نفسه بلا عقل ولا مقل. مقتل أربعة من المنتمين إلى الشيعة في جيزة مصر، يُنذر بأعظم الشرور، ويبشر من أمسكوا بزمام الحكم، بعظائم الأمور. فالتزمت لا ينتج إلا متزمتين، والتعنت لا يسفر إلا عن الشر المبين، فمصر التي توسطت العالمين بالواقعية، وبالحلم الرزين، أصبحت الآن في قبضة النار والحديد، والبأس الشديد، فلا نتوقع أبداً إلا بروز مثل هذه الظواهر الشاذة، والتي ما من شك سوف تفرق وتمزق، وتغرق مصر في بحار من التشظي والتلظي، والانحدار في أودية غير ذي زرع ولا ضرع، واستمرار الحزب الذي يحكم مصر بانتهاك سياسة الضلع الأعوج، سوف يحيل الواقع إلى مسارات عجيبة ورهيبة ومهيبة، ومصر العروبة، سوف تخلع معطف الانتماء الإنساني وترتدي صوف العزلة، والارتباك الأيديولوجي. نحب مصر، ونخاف عليها من فكرة جهنمية لا تريد لشعبها الخير، ونخشى على هذا البلد من أن يصبح تحت هيمنة طالبان جديدة، ومصر ليست أفغانستان، مصر قلب العروبة، وأرض الحضارات، شعلة الفكر والتدبر.. مصر لا يمكن أن تكون إلا مصر، ومن يهبط مصر لا يرى فيها غير النبل العظيم، وخوفو وخفرع ومنقرع، ومآثر نجيب محفوظ، فلا يجب أن تتحول البوصلة باتجاه أفكار حزب عدواني، لا يتقي الله في نفسه ولا في مصر وشعبها الوفي.. لا يجب أن يقبل العالم والإنسانية المتحضر أن تتحول مصر إلى تورا بورا، محتقن بالحزبية والكراهية والسوداوية.. مصر هي للمصريين الشرفاء، الذين ورثوا الحُلم والحِلم، وتداولوا الحكمة من عزيز مصر، ومصر لا يمكن أن ترتهن بأفكار النفاق، والشقاء والاسترقاق، وضيق الأحداق، واكفهرار الأشواق. نخاف.. نخاف على مصر، من فكر لا يحسب حساب الوطن، بقدر ما يتقوقع في محارة الحزب، متفشياً كالألم في الجسد الواحد، رابضاً في الوجدان المصري كالوعد المشؤوم. وعندما يتناسى زعماء الحزب دورهم الإنساني والوطني، ويتفرغون لقذف الشتائم والسباب باتجاه البعيد والقريب، وعندما يشعل هؤلاء فتنة الاتجاه الواحد، فلابد وأن تطفح على السطح أمراض وأعراض وأغراض، قد تقود إلى مهالك لا يمكن تجنبها، وقد تدفع إلى مهاوٍ من الصعب تحاشيها. والله يعين مصر وشعبها على مَن سجن مصر في محارة الحقد. علي أبو الريش | ae88999@gmail.com