تبلورت أدوات المعركة الأشرس وربما الأقذر في المنطقة العربية وفي العالم، إنها الفتن ما ظهر منها وما بطن، فالفتنة كانت وما زالت رأس الحربة في كل فوضى، فتنة الدين، والمذهب، والرأي والاختلاف، فتنة الانتماء والطائفية، فتنة التراتبية على أساس العرق واللون والمال، الفتنة التي إن أطلت برأسها اشتعلت كل المناطق بنيران يستحيل إطفاؤها، اليوم فإن آلافاً من الأرواح أزهقت ودماء كثيرة سالت في المنطقة لا لأجل الحرية والحقوق فقط، ولكن لأجل أن تظل الفتنة مشتعلة، مستعرة تحصد كل شيء فلا تبقي ولا تذر!! فرعون مصر قال بصوت متعال (لا أريكم إلا ما أرى...)، وبعده قال آخرون العبارة نفسها بأشكال وصيغ مختلفة، فتأسست ثقافة القطيع الذي لا يرى إلا ما يراد له أن يرى، وثقافة الفتنة كأقصر طريق للفوضى، بعد قرون وقف رئيس أميركي يدعى جورج بوش الابن يحشد العالم لما عرف بالحرب على الإرهاب وليضع العالم على المحجة الواضحة قال لهم “من لم يكن معنا فهو ضدنا”، واليوم فإنه الشعار السائد والغالب، وليس هناك من يناقشك أو يختلف معك إلا ورفعه في وجهك، كإعلان حرب مؤجلة، وخبر قطيعة حتمية! والكل ماض إلى نهايته لا يريد أن يفكر ولو لخمس دقائق! مصر بلاد عظيمة تطحنها الفتنة، سوريا البلد الأقدم في التاريخ يراق دمها كالماء صباح مساء، بينما وحوش تصرخ يا نصيري يا مسيحي يا سني يا شيعي تعال لأقتلك! لماذا؟ لأنك أبليس وأنا مالك الحق والحقيقة والناجي من العذاب وأنت الهالك في جهنم، هكذا يلقنونهم في الحوزات والجلسات والغرف المغلقة والسراديب؟ لأجل من؟ لأجل ماذا؟ لأجل أن ينظر الجميع من نفس الزاوية ويرى المشهد بنفس العين، بنفس اللون وبنفس المنظور، فهل يمكن ذلك؟ يجب أن يكون وإلا فالقتل نتيجة حتمية! لماذا علينا أن نرى من الزاوية نفسها؟ لماذا يتوجب علينا أن نقرأ الكتاب نفسه؟ من قال إن الاتفاق رحمة دائما والاختلاف شر كله؟ إن اختلاف الأمة رحمة، هذا ما أقرته المذاهب الإسلامية الأربعة، فخيرة علماء المسلمين قد بحثوا ودرسوا ونظروا في القرآن والسنة وسيرة الصحابة ووضعوا رؤاهم ومذاهبهم بكل اختلافاتها، حتى وإن كان اختلافهم في التفاصيل وليس في أصل العقيدة، لكن المؤكد أنهم اختلفوا وأن المسلمين قد أقروا هذا الاختلاف على مدى التاريخ الإسلامي، حتى صحابة رسول الله اختلفوا على صاحبه أبي بكر خليفة! وعلى علي وعمر وعثمان! إن الطائفية والعنصرية وكل النزعات التي تؤسس لضيق الأفق وتغرس في القلوب بذور التصادم، تحتاج عقولاً مضيئة تتصدى لها، تحاربها وتكشف مخططاتها وتناقضاتها، أما أن ينغمس أهل العقل وأهل الثقافة والتنويريون في هذا البؤس فتلك كارثة حقيقية، حتى وإن كان تحت غطاء الغيرة على الأديان والدفاع عن الأوطان، فلا الله أمرنا بإغلاق عقولنا ولا منح أحداً صك غفران أو أرضاً في الجنة، الذين قالوا بصكوك الغفران انتهوا أمام زحف الحقيقة والعلم والحياة منذ قرون، فكيف ولماذا يريد البعض إعادة أمة بأكملها لسراديب ذلك الفكر وتلك القرون؟ عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com