نستقبل أحلاما ونودعها على عجل.. هذه هي الساحة الثقافية التي عادة ما تبشر وتنفر، وربما تزهر وتسفر.. لها فصول من حدائق الحياة المبهرة والغنية، تلك التي لها اصطفاء ذاتي تقلدها الروح بالأمل، فالاشتياق المتدفق للنجاح هو رمز القيمة الإنسانية للعمل، ومن أجل ذلك تجد بلورة الروح والتفاني والنظر الى الأشياء بعمق العبارة، والنظر بصورة متفحصة وقريبة الى أبعد حد، ويسبق ذلك إدراكا نفسيا وذهنيا.. فالعمل المتقن بحاجة الى الإبداع وبحاجة الى الشعور الذاتي والخيال الإنساني العالي والمتسع الذي يضاهي من الفضاءات الحرة ما يضاهي. لكن هناك من يبيع لنا أحلاما واهنة وواهمة، وثقافة مقلدة لا ترقى الى الفكر ولا إلى النضج الحياتي والحضاري، وترى الواهمون ومن أمثالهم لا يتحررون من قبضة الوهم، بل تراهم يطلبون للعمل ما نقص ويشكرون ويبجلون من أجل استرعاء الانتباه، فالواهمون هم من باتوا يسطرون الحياة، وفي كل جلسة لهم السبق ولهم المجد وتعاد اليهم الكلمات.. تعاد مرارا وتكرارا، وكأنهم طواويس الحفلات والأمسيات، فلا يكتفون من التخريف والتحريف والتجويف، هم أقدر على لغة الأضواء، فهم يبحثون ماديا أينما بدت الرائحة بشرق او في غرب. وليتهم يعلمون بأن الكلمة الحق هي عنوان الفكر ومنبع الثقافات ورونق الاختصاص، فلا يعبر بها بالضجيج والمكر وإثارة الحيل ودهاء الوهم، ولا تسطر من خلال النزعات، فشر البلية ما يضحك. حين تسطر المقالات دفاعا او تعاطفا مع أشخاص أو مؤسسات وكأن الأمر بات مع او ضد.. إذ اين كلمة الحق والوعي الثقافي؟ أم انهارت سدود المعرفة والإدراك، وباتت الكلمة الحق بعيدة كل البعد عن مشارف القيم، وبات بعض الكتاب يسقطون في وحل التطبيل الأعمى، فتبدلت أفكارهم وتعرت، باتت كلماتهم مجرد فرقعات خاسرة لا يمكن ان تضيء للمجد شيئا، ولا يمكن لها ان تسطر للحياة الثقافية شيئا، فما لها إلا العقم والتردي. حين نضع القلم في اتجاه الفكرة ونتحدث عن سمات بائعي الوهم الثقافي، نتحدث عن المنتمين لهذا الوهم وهم في اتجاه التزمير والتدمير والعبث الثقافي، هم تخلوا عن كتاباتهم الأدبية وباتوا يتصدرون إدانة مجتمعاتهم بدلا من تنويرها وتصويب فكرها بالمادة الثقافية الرحبة.. هم مدركون للحقائق لكنهم يصرون على التلوث الفكري، فمن سماتهم تعرفهم مهما تصنعوا أو لبسوا الأقنعة من أجل الترويج للوهم، وهم ماضون في البحث عن أوهام أخرى وبمعاونة من المداحين والمتصنعين ممن لا يعرفون سوى لغة المديح والبهرجة الإعلامية الأفاكة، وقد ابتلت الساحة الثقافية بهم، وفي المقابل خسرت قامات ثقافية نزيهة وحرة متجردة من النرجسية.. وهم محقون في انتمائهم للقيم الذاتية الرصينة فلا يقيموا للظلام قائمة مهما خيم وقعه، بل دلالاتهم مصابيح النور المرتكزة يسعون من خلالها منجزين لذاتهم وللساحة الثقافية إبداعات أدبية غير واهمة.