ماذا يمكن أن يضيف المفكر الراحل أدوارد سعيد ـ لمناسبة عقد على غيابه وثلاثة عقود ونصف على صدور كتابه “الاستشراق” ـ لو قدر له أن يعيش ليرى الاصطفاف الجديد الذي اقترن بالربيع العربي وصعود الأصوليات والتقاء المصالح لجهات متناقضة محليا وعالميا؟ بل كيف سيقرأ ويفكك ثم يركّب صورة الشرق او (صناعته) كما يقول في الاستشراق، بعد أن أعيدت الجزئيات لتتراتب على وفق الخارطة السياسية المتخيلة التي ربما استبق المخيال الأدبي بها صناع القرارات؟ كان تصنيف الشرق ـ والعروبة والإسلام ضمنيا ـ بحسب التصورات الفردية للكتّاب والرحالة الغربيين يكشف هوية مستخدمي هذا الخطاب الاستعلائي، وإذا عيب على ادوارد سعيد اتخاذه جهود الأفراد وتصوراتهم مقياسا لنظرة الغرب الكلية للشرق، وأخذ عليه إغفاله خصوصيات الاستشراق بنسخه الغربية المتعددة كالاستشراق الروسي والألماني والإيطالي، فإنه قدم كشفا معرفيا لتلازم عناصر النظر إلى الشرق وتصويره من جهة الجماعة، ولكن كما ينتج ويصنع معرفيا. وهذا كان هاجسه وهو يقرأ المدونات السردية التي ظهرت فيها صورة الشرق المستعاد. اليوم تحل الدول محل الأفراد، فهل كان مقدرا لأدوارد سعيد أن يبحث في الرؤى والسياسات ليفكك صورة الشرق وعناصرها كما يتخيلها الغربيون، أم ينتظر تمثيلها في المتون السردية التي لا تنفك رؤيتها عما يدور بذرائع ومبررات الاقتراب منه؟ ثمة ملامح لخطاب قائم اختلطت فيه الأوراق.. بكيفية تناسب اللحظة الملتبسة التي تمر بها كيانات ودول وسياسات عديدة. لقد كان الغرب يُعد بحسب تفكيك أدوارد سعيد لصناعة شرق مناسب باتجاه المستقبل هذه المرة، وبترتيب جغرافياته ومصائره. كان تمثيل الشرق في الدراسات الاستشراقية والمدونات الادبية متطابقا، فالشرق يقدَّم على انه مجرد انتماء ديني وقومي مغاير (عربي ـ مسلم). لكن إيغال الغرب في ماهو شرقي عاد اكثر اقترابا حتى من لحظة دراماتيكية وحاسمة كأحداث 11 سبتمبر التي ربما كانت ـ بجانب الاصطدام العسكري التالي ـ من أكثر المناسبات التي قيض لأدوارد سعيد أن يحياها قبل غيابه في سبتمبر من عام ذي أثر جذري وصاخب هو 2003 الذي نقل المواجهة على الأرض، وعادت العلاقة بين الشرق والغرب كما تخيلها الخطاب الاستشراقي وكما فضحه أدوارد سعيد بتفكيك عناصره: معرفة تتيح عبر خطابها سلطة على الآخر، وهيمنة يجسدها نوع الخطاب المتعالي بعد 2003 حتى الربيع وما نبت على حواشيه من ظواهر. كان المفكر الراحل يتفحص عمل السلطة في المعرفة، أي إجراءات معرفة الشرق في الفكر الغربي التي (كانت سبيلاً لمد السلطة عليه) فقد توصل إلى أن الشرق أصبح ( نصاً)، والغرب (سلطة)، والاستشراق (معرفة) تتخذ وسيلة للهيمنة عبر الخطاب الاستشراقي المسلّط على بنية الشرق النصية.. وبهذا ترد التبريرات الاستعمارية حول ما يسمى بالحماية أو الانتداب، واستغلال الأنشقاقات العقائدية المخبأة من قبل؛ فأعلن عن نفسه باسمه الذي لم ينكره الغرب وارتضاه بتوافق أممي.. هو الاحتلال كأقوى وأبشع صورة للحماية والهيمنة.