يجلس الكاتب في انتظار الوحي، وبعضنا يذهب إليه. وبين الجالسين والذاهبين فروق عدة واشتراطات مختلفة. فعل «الجلوس للانتظار» في حد ذاته له طقوس مختلفة بين كل كاتب وآخر. فالوحي لن يهبط عليك وأنت في معمعة «العادي» و«المستهلك»، لن يهبط عليك وأنت تسير في خط مستقيم مع جماعة ذاهبين للهدف نفسه. عليك أن تشرئب بفكرك وترى نهاية الصف أين يمكن أن تؤدي، وتتلفت يمنة ويسرة لترى احتمالات الطرق الفرعية الأخرى. عليك أن تجد طريقاً خاصاً بك حتى يهبط عليك وحي الكتابة. ولكي تفعل ذلك ربما تكون ممن يحتاج إلى شرفة مطلة على محيط تتلاطم أمواجه مخلّفة في نفسك مشاعر لا تقال بالكلام بل بالكلمات. وربما تحتاج إلى مقعد مريح، لو كان غير مريح ستنشغل بآلام الظهر والحوض عن استقبال الوحي، فهكذا وحي يحتاج أن تكون منسلخاً عن جسدك، فلا تشعر بآلامه ورغباته، لكي تكون قادراً على تشكيل أجساد جديدة لشخصيات تخلقها فتعيد خلقك. وربما تحتاج أن تكون في حديقة غناء حولك أشجار تهفهف بأوراقها الناعمة وتغريد عصافير يأتيك من بعيد، لو كان قريباً سيكون عامل تشتيت، فالكاتب يحتاج عادة أن يكون الصوت موجوداً، لكن خافتاً نوعاً ما، لكي يشعر أنه في الحياة ولكن غير معجون بضجتها العالية، يعيشها على حرف، كي لا تجرفه فيتحول لإنسان يحاول فقط أن يعيش. الكاتب إنسان طبعاً، لكنه يحاول أن يعبر عن محاولتك للعيش، وهو بذلك يحاول مثلك أن يعيش. بعض الكتاب قد يحتاج إلى صوت عالٍ، مثل أصوات موسيقى خلاقة مصاحبة لملاحم أسطورية خالدة تحاكي تجربة الإنسان التاريخية في الحياة لينهض في كل مرة يسقط فيها، هكذا موسيقى ستخلق لروح الكاتب أجنحة، وسيتلألأ دمع دفين في عينيه، لا يمكن أن يفسره لشخص عابر يسأله «لماذا تبكي». لأنه لا يبكي، إنه فقط يكون قد ارتفع. ولم تعد قدماه تلامسان سطح الأرض، وهذا شعور شجي، ألا تدمع عيناك حين تواجه تياراً هوائياً منعشاً بعد وقت طويل قضيته في العتمة؟. هذا ما تفعله الموسيقى الأسطورية بشخص يحاول أن يكتب. إنه فقط يستشعر حبلاً سرياً خفياً يبزغ من قلبه ليربطه بقلب إنسان عاش على الأرض نفسها قبله، وحاول بكل الوسائل أن يكون. والبعض يذهب للكتابة، يستيقظ في ساعة محددة، ويجلس أمام مكتبه. ويقرر أن يكتب. ربما لن يكتب شيئاً، لكنه التزم بطقس الجلوس للكتابة. والذي سيؤدي، ولو بعد حين، لنتاج إبداعي ما. لكن البعض سيكتب مباشرة، يقول ولو سطرين. ولو كان ملزماً بدوام وظيفة رسمية سيكتب قبل أن يستعد للخروج. سيستغل ساعات الصباح الأولى للكتابة. مع الوقت سيتراكم لديه إنتاج يستحق أن يوضع بين ضفتي كتاب. لا أتخيل نفسي أستيقظ صباحاً لأجل الكتابة. لكن ربما لا يكون الواحد كاتباً جاداً فعلاً حتى يستشعر في أعماق نفسه أن الكتابة فعل يستحق أن تستيقظ فجراً لأجله. أجلس في مقهى معتم، يقابلني جدار رمادي باهت عليه لوحة لكلب يخرج لسانه بوجهي. أفكر، من أين يأتي وحي الكتابة؟. لا أمواج محيط تتلاطم أمامي، ولا أوراق شجر تهفهف، ولا أصوات عصافير سوى قرقعة ملاعق معدنية يصدرها نادل نكد المزاج. أفكر أن لكل كاتب وحيه، وربما يجب أن أخلق وحيي. في النهاية كل شيء في القلب، في القلب يمكن أن أرى محيطاتي العالية وأشجاري السامقة وكل تلك الحدائق الغناء.. لماذا خلق الله لنا الخيال إذاً؟. أتطلع لصورة الكلب أمامي، أخرج له لساني.. وأكتب. مريم الساعدي | Mariam_alsaedi@hotmail.com