ترددت كثيراً قبل كتابة هذه القصة ذلك أننا قد نفسر ما حدث بشكل يختلف عما كان يدور في نفوس أبطالها الذين عايشوا قصة مأساوية في جوانب منها وتعقيدات كانت نتائجها مزيداً من الدراما، أسردها هنا بدون تدخل أو تعليق. بدأت القصة عندما تغرّب الأب بعيداً عن وطنه وأبنائه من أجل حياة أفضل وبحثاً عن مستقبل أفضل لهم، عمل بكد وكفاح لعدة سنوات عاد بعدها ليستقر في وطنه وبين أهله، عاد سعيداً مفعماً بالأمل بالاستقرار وتحقيق المزيد، والكل يحسده هو عائلته على ما لديهم من فضل الله، كان سعيداً بالإنجازات التي حققها من غربته فقد بنى منزلاً كبيراً من عدة طوابق له ولأبنائه الثلاثة رغم أنهم لم يكملوا الدراسة غير أنهم «صنايعية» يكافحون ويكسبون، تزوجت ابنته وهو في الغربة، ولم يستمر زواجها ما إن عاد إلى وطنه فتطلقت وعادت لتعيش في منزل العائلة، مما جعل الأم تصاب بحزن وهّم انتهى بها إلى الوفاة كمداً على ابنتها. ولم يتحمل الابن الأكبر فراق أمه، واتصل بخطيبته ليخبرها أنه سيبتعد قليلاً عن المنزل ليبتعد عن الأحزان خصوصاً أنهما اضطرا إلى تأجيل حفل زفافهما بسبب مصاب العائلة، وانتهى غريقاً في البحر، مما تسبب في حزن وألم للأخ الأصغر لم يتحمله كثيراً فلحق بشقيقه ومات كمداً وحزناً بعد أشهر قليلة. وجد الأب نفسه في وسط زلازل تعصف بعائلته الصغيرة التي كافح وشقي وأفنى سنوات شبابه من أجلها، وجد نفسه في أتون تلك الأحداث المتسارعة وحيداً غريباً بين أهله وما تبقى من عائلته، ابنه وابنته بالكاد يعرفانه فهما لم يتربيا بين يديه، شعر بالحسرة وبالوحدة وأطبقت عليه الأحزان فنحل جسده وهزل حتى صار كالهيكل العظمي يسير تائهاً هائماً إلى أن تنبهت شقيقته فأصرت على تزويجه من عروس في عمر ابنته، وتزوجها بشكل سريع ولم يمر وقت طويل بعد على وفاة أحبته، مما سبب شرخاً جديداً في جسد ما تبقى من العائلة المكلومة، خصوصاً أنه لم يراع ذكرى الأم. وأسكن عروسه الجديدة في منزلها، فقد كان يعتقد أنه بذلك سيطرد الأحزان من المنزل وستبدأ حياة جديدة، فالحي أبقى من الميت كما يقولون. عاش أياماً يحاول استعادة السعادة غير أنه ما لبث أن اكتشف فداحة غلطته ما أن تحرك جنين في أحشاء زوجته الجديدة، حينها أيقن أن الإنجاب في هذا السن المتأخر خطأ لأنه خشي على مستقبل الطفل الذي قد يولد يتيماً أو قد لا يمهله القدر حتى يشب ويقوى على مواجه أنواء الحياة. bewaice@gmail.com