حصلت رواية “القوس والفراشة” للكاتب المغربي محمد الأشعري على الجائزة العالمية للرواية العربية لسنة 2011، مناصفة مع رواية “طوق الحمام” للروائية السعودية رجاء عالم، لقد جاء قرار لجنة الجائزة دقيقاً وحكيماً وموضوعياً، وقد قرأت القوس والفراشة، فوجدت ما قيل عنها أكثر من دقيق وأقل مما تستحق، فهي مبدعة ورائعة وتناقش مسائل في غاية الحساسية، في الوقت ذاته الذي انتصرت فيه لشعرية وشاعرية النص الأدبي.
ترصد الرواية بعمق مصير ثلاثة أجيال من آل الفرسيوي، محمد الفرسيوي الجد، الذي تحول إلى دليل ضرير للسياح في ما تبقى من خراب مدينة وليلي، بعد مقام طويل بألمانيا وعودته إلى البلد، ويوسف الفرسيوي الابن، العائد من أجل البحث عن الحقيقة وتلمس الطريق من جديد، بعدما اعتقد لسنوات أن والده كان وراء مقتل والدته الألمانية ديوتيما، التي قيل له إنها انتحرت، وياسين الفرسيوي الحفيد، الذي جره التيه إلى اعتناق الفكر الظلامي، والالتحاق بجماعة طالبان، ثم تفجير نفسه، لتنتهي معه حكاية آل الفرسيوي.
في هذه الشخصيات الثلاث، أشياء من الكاتب والشاعر محمد الأشعري، الذي اكتوى أيضاً في تجربته السياسية، وذاق مرارة الخسران، وهو ما يعطي للرواية بعداً ذاتياً أو سيراً ذاتياً، لأنها محملة بأسئلة حارقة عن المغرب السياسي والاجتماعي والثقافي، ما يجعلها رواية تنتقد مغرب اليوم.
وعلى الرغم من ما تحمله الرواية من هاجس سياسي واضح، وعلى الرغم من اشتغالها على قضايا إنسانية واجتماعية غاية في التعقيد والأهمية، فإنها، كما قال أحد النقاد المغاربة، تنتصر لأدبيتها الخاصة ولشعرية النص، ففيها من العبارات ما لا يمكن أن يتخطاها القارئ دون أن يتوقف أمامها ملياً ليستعيدها ويتداخل فيها عميقاً وكأنها تختصر التجارب في سطور والحياة في جملة. في رواية “القوس والفراشة”، يرصد الأشعري تبدلات الحياة في مدينة مراكش، وطيران المدينة أو محو ذاكرتها على يد هؤلاء الذين جاؤوا من مناطق مختلفة حول العالم، جالبين معهم الأموال والتطلعات الغريبة التي حولت المدينة إلى مجرد علبة ليل تبيع كل شيء وكأنها فقدت ذاكرتها نهائياً !!
يحاول الأشعري أيضاً أن يجيب عن سؤالين أساسين من خلال هذا الرصد الدقيق لتبدلات المدينة وضياع ذاكرتها وذائقتها، الأول: لماذا حاضرنا على ما هو عليه؟ ولماذا ننتمي اليوم لسلالة الخوف والقلق وقبول الخسائر، “ليس خسارة ما نفقده، ولكن الخسارة الناجمة عن عجزنا إزاء فعل الشيء الذي كان يجب علينا فعله لتحقيق ما كنا نتمناه ونحلم به”.
اشتغلت الرواية بما يحيط بالداخل المغربي وبكل ما تضج به ساحته من مواضيع صاحبت طفرة العقار وتمدد البنيان وارتفاع أسعار الأراضي مثل الرشوة، والبيروقراطية، والفساد، والسلطة، وهو ما أضفى عليها مسحة سياسية، جعلها تصنع زمناً واسعاً يتسع لليوم ولما بعده وللمغرب ولأقطار كثيرة غيره.
“الشعر لترويض الخراب” أجمل ما يمكن أن توصف به رواية، وهكذا نظر إليها أحد النقاد، معتبراً أن القوس والفراشة تفصح عن كثافة لغوية وشاعرية لا حدود لها، وعن اهتمام كبير برصد خراب الحياة، فهي رواية مذهلة كتبت بحزن لكي تواجه الحزن والخسارة.


ayya-222@hotmail.com