وما الحياة سوى حفلة تنكرية مستمرة، وعملية سقوط وصعود متكرر للأقنعة التي تبلى وتذوب، ويعريها الزمن، إلى أن تتكشف في لحظة ما الوجوه المستترة والمحتمية وراء ألف قناع، إلى درجة أنها لم تعد تعرف وجهها الحقيقي. والبشر يهرولون مسرعين في هذا الحفل، من غير أن تتاح لهم فرصة التأمل في ذواتهم وأفعالهم وأقوالهم، فترى الرجل يتلون بألف قناع في اليوم الواحد، مندفعاً إلى الكذب هنا، وعدم المصارحة هناك، والسكوت عن الحق، وإظهار عكس ما يبطن في القول والفعل، وفي نهاية اليوم حين يقف أمام المرآة لا يتعرف على الوجه الذي يراه، ولا يعرف هو من؟ والرجل يقوم بكل ذلك ليس بسبب الظروف المحيطة أو رغبة في التكيف، إنما بسبب جهل خفايا الذات، وعدم التأمل في مسيرة دربنا في الوجود، إلى أين نحن ماضون؟ ومالذي نريده فعلاً؟. والقلة فقط ينتبهون منذ بداية الطريق، إلى أن الظهور بوجهك الحقيقي في التعامل مع الناس هو ما يضمن لك النأي عن الانزلاق في متاهة الأقنعة والزيف، وتمسكك بحقيقتك الأصلية قد يضرك مؤقتاً، لكنه سينجيك في المستقبل من التحول إلى صورة لا تشبهك. يلبس الجاهل قناع العالم، ويحاول أن يظهر للناس مهاراته ومعرفته، فيضطر إلى الاقتباس والنسخ والتزوير والكذب، ويضع المفلس فكرياً ومادياً قناع الغني والعارف، فيسقط في الاستدانة، ويعتنق التمويه، ويغرق في دائرة الخوف من الانكشاف، أولاً أمام الناس، وأخيراً أمام نفسه. ولعبة الأقنعة تزداد وتنقص، لكنها لا تزول، والمحظوظ هو من يجد اللحظة التي يرى فيها حقيقة نفسه عندما يرمي أقنعته بعد عناء يوم طويل، إلا أن الأغلبية لا تصل إلى هذه النعمة، وكثيرون ينامون، وعلى وجوههم، طبقات متراكمة من الأقنعة الملونة. درس الحياة هذا نستقيه أيضاً من المسرح الذي استثمر فكرة الأقنعة، وحولها إلى فن قائم بذاته منذ بداية علاقة الإنسان بالفنون، فهناك على الخشبة نرى الإنسان (الممثل)، وهو يلعب دور إنسان آخر، ويتقمصه إلى درجة الإتقان الكامل، فلا نعود نشعر بشخصية الممثل الأولى التي تذوب وتتلاشى خلال مدة العرض. لنكتشف بعدها قدرة البشر على التلون وقدرة انخداعنا بالقناع. وما نحن في الحياة سوى ممثلين نقوم بأدوار عدة. والشخصية التي نظهرها في العمل قد تختلف في البيت أو مع الأصدقاء أو مع أنفسنا، لكن الإنسان الناصع هو الذي لا يتغير وجهه أينما حل، لأنه يظل يتمسك بخيط الوضوح مع ذاته، ولا يسمح للآخرين بتشويه صفاء روحه. ??? يروي القناع سيرته للمرايا حقيقيا وصادقا للحظات لكن المرايا لا تحتفظ بالذكريات أو الوجوه إنها تتغير لأنها ناصعة بلا جوهر داخلها سوى ما يدوم ولا يدوم سوى جوهر الذات وجوهر الشيء وبعض الحب. akhozam@yahoo.com